وقال ابن رشد: وسبب اختلافهم في العمامة اختلافهم في وجوب العمل بالأثر الوارد في ذلك من حديث المغيرة وغيره: «أنه عليه الصلاة والسلام مسح بناصيته وعلى العمامة» [1] وقياسا على الخف، ولذلك اشترط أكثرهم لبسها على طهارة، وهذا الحديث إنما رده من رده، إما أنه لم يصح عنده، وإما لأن ظاهر الكتاب عارضه عنده، وإما أنه لم يشتهر العمل به، وقال الحافظ: لما ذكر علل الحديث، ولا معنى لرد الروايات الصحيحة بهذه التعليلات الواهية، وقد اختلف السلف في معنى المسح على العمامة، فقيل: إنه كمل عليه بعد مسح الناصية، وقد تقدمت رواية مسلم بما يدل على ذلك، وإلى عدم الاقتصار على المسح عليها ذهب الجمهور، وقال الخطابي: فرض أنه مسح الرأس، والحديث في مسح العمامة محتمل للتأويل، فلا يترك المتيقن للمهمل، قال: وقياسه على مسح الخف بعيد؛ لأنه يشق نزعه بخلافها، وتعقب بأن الذين أجازوا الاقتصار على مسح العمامة شرطوا فيه المشقة في نزعها كما في الخف، وطريقه أن تكون محنكة كعمائم العرب، وقالوا: عضو يسقط فرضه في التيمم، فجاز المسح على حائله كالقدمين، وقالوا: الآية لا تنفي ذلك، ولا سيما عند من يحمل المشترك على حقيقته، ومجازه؛ لأن من قال: قبلت رأس فلان يصدق، ولو كان على حائل، وإلى هذا ذهب الأوزاعي والثوري في رواية عنه وأحمد وإسحاق وأبو ثور والطبري وابن خزيمة وابن المنذر وغيرهم، وقال ابن المنذر: ثبت ذلك عن أبي بكر وعمر، وقد صح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن يطع الناس أبا بكر وعمر يرشدوا» [2] ، والله أعلم.
[10/أ] قوله: (فإن لبس خفا على خف قبل الحدث فالحكم للخف الفوقاني إلى آخره) :
(1) أخرجه مسلم (274) ، والترمذي (100) ، من حديث المغيرة - رضي الله عنه -.
(2) أخرجه مسلم (681) في المساجد من حديث أبي قتادة، به.