ص -82- يقول: لا, ومثاله: الاختلاف في قطع النباش؛ فإن أبا حنيفة رحمه الله تعالى يوافق الجمهور على أن السرقة مناط القطع, ولكنه يقول: لم يتحقق المناط في النباش؛ لأنه غير سارق, بل هو آخذ مال عارض للضياع كالملتقط من غير حرز.
فإذا حققت ذلك, فاعلم أن مراد القائلين: لا تقبل توبته أن أفعاله دالة على خبث نيته وفساد عقيدته, وأنه ليس تائبا في الباطن توبة نصوح, فهم موافقون على أن التوبة النصوح مناط القبول كما ذكرنا, ولكن يقولون: أفعال هذا الخبيث دلّت على عدم تحقيق المناط فيه, ومن هنا اختلفت العلماء في توبة الزنديق المستتر بالكفر, فمن قائل: لا تقبل توبته, ومن قائل: تقبل, ومن مفرق بين إتيانه تائبا قبل الإطلاع عليه وبين الإطلاع على نفاقه قبل التوبة, كما هو معروف في فروع المذاهب الأربعة؛ لأن الذين يقولون: يقتل ولا تقبل توبته يرون أن نفاقه الباطن دليل على أن توبته تقية لا حقيقة, واستدلوا بقوله تعالى: {إلا الذين تابوا وأصلحوا} , فقالوا: الإصلاح شرط والزنديق لا يُطَّلَعُ على إصلاحه؛ لأن الفساد أتى مما أسرَّهُ, فإذا اطلع عليه وأظهر الإقلاع لم يزل في الباطن على ما كان عليه.