ص -16- الْبَلَدِ وبين قوله: {وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ} .
قوله تعالى: {قُلْ إِنَّ اللهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ} هذه الآية الكريمة يتوهم خلاف ما دلت عليه من ظاهر آية أخرى وهي قوله تعالى: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا} الآية، الجواب عن ذلك من ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: وهو أظهرها أن معنى قوله: {أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا} أي بطاعة الله وتصديق الرسل ففسقوا أي بتكذيب الرسل ومعصية الله تعالى فلا إشكال في الآية أصلا.
الوجه الثاني: أن الأمر في قوله: {أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا} أمر كوني قدري لا أمر شرعي، أي قدرنا عليهم الفسق بمشيئتنا، والأمر الكوني القدري كقوله: {كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ} ، {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} ، والأمر في قوله: {قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ} أمر شرعي ديني فظهر أن الأمر المنفي غير الأمر المثبت.
الوجه الثالث: أن معنى {أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا} : أي كثرناهم حتى بطروا النعمة ففسقوا، ويدل لهذا المعنى الحديث الذي أخرجه الإمام أحمد مرفوعا من حديث سويد بن هبيرة ـ رضي الله عنه ـ:"خير مال امرئ مهرة مأمورة أو سكة مأبورة"فقوله مأمورة أي كثيرة النسل وهي محل الشاهد.
قوله تعالى: {فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا} الآية، وأمثالها من الآيات كقوله: {نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ} ، وقوله: {وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى} ، وقوله: {وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ} الآية، لا يعارض قوله تعالى: {لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى} ، ولا قوله: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} ، لأن معنى {فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ} ونحوه أي نتركهم في العذاب محرومين من كل خير والله تعالى أعلم.