يحبسه ويسجنه حتى يسدد للناس حقوقهم. قوله: (لم يحجر عليه وأمر بوفائه) هذا إذا كان دينه أقل من ماله (لم يحجر عليه) ، يعني: لم يمنع من التصرف في أمواله، ويترك في تجارته وبيعه وشرائه كما هو، ولكن يأمره القاضي بالسداد بالتي هي أحسن، فإن سدد فالحمد لله، وإذا لم يسدد؛ وعظه وزجره وذكره بالله، فإذا طالب الغرماء حبسه حتى يسدد للناس حقوقهم، والدليل على ذلك: قوله عليه الصلاة والسلام: (مطل الغني ظلم يبيح لومه) فدل على أن من منع الناس حقوقهم وهو قادر على السداد، وسأله الناس حقوقهم ولم يعطهم إياها؛ فإنه يعتبر ظالمًا، والمظلوم ينصر من ظالمه، والقضاء جعل لنصرة المظلوم من ظالمه. قال رحمه الله: [فإن أبى حبس بطلب ربه] . إذًا الشرط الأول: أن يكون الدين قد حل. والشرط الثاني: أن يكون عنده السداد. والشرط الثالث: أن يطلب أو يشتكي أصحاب الدين. قال رحمه الله: [فإن أصر ولم يبع ماله؛ باعه الحاكم وقضاه] قلنا: إن سدد فلا إشكال، وإن امتنع من السداد دعاه القاضي وسأله أن يسدد، وذكره بالله، فإن امتنع سجنه، فإن سجنه يومًا ويومين وثلاثة فتضرر أصحاب الحقوق، فإنه يقول له: إذا لم تبادر بسدادهم، سأبيع من مالك ما أسدد به دينك، فلم يبق إلا هذا يلزم به ويكره عليه، ويؤخذ من ماله قهرًا، وهذا بيع بالإكراه، لكنه بيع بإكراه بحق، وقد بينّا أن الإكراه إذا كان بحق سرت عليه الأحكام الشرعية ولا يعتبر إكراهًا موجبًا لرفع الحكم. وعلى هذا: فإنه إذا امتنع وأصر بعد سجنه ومنعه، فما على الحاكم إلا أن يقوم ببيع ماله على قدر السداد، فمثلًا: لو كان عنده سيارة قيمتها عشرة آلاف ريال، وعنده عمارة قيمتها -مثلًا- مليون، ودينه عشرة آلاف ريال، فلا ينصرف إلى العمارة ويبيعها عليه، وإنما يبيع سيارته التي تفي بسداد دينه. وينبغي للقاضي عند حكمه بالبيع ألا يضر بالمدين، بل يؤدي لصاحب الدين دينه، ولا يضر بالمدين كما قال تعالى: فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ [البقرة:279] وما شرع لحاجة فإنه يقدر بقدرها، فإذا كان الدين بعشرة آلاف ريال فإننا لا نبيع من ماله إلا بحدود عشرة آلاف ريال، والقاعدة الشرعية تقول: (ما جاز لضرورة وحاجة يقدر بقدرها) فلا يباع إلا بقدر الدين. قال رحمه الله: [ولا يطالب بمؤجل] هذا من الشروط التي ذكرناها، بمعنى: أنه لو رفعه إلى القاضي واشتكاه، فأول ما ينظر إليه القاضي هل له عليه دينًا فعلًا، فإذا ثبت وأقر أن له عليه دينًا؛ يسأله: هل حل أجل الدين أو لا؟ فإن قال: حل أجل الدين، جرت الأحكام التي ذكرناها، وإن قال: الدين إلى نهاية السنة؛ فإنه يقول لصاحب الدين: اذهب ولا تطالبه إلا في نهاية السنة؛ لأن الذي بينك وبينه من العقد والشرط أن تؤجله، ولا يجوز لك أن تعاجله وتأمره بالتعجيل وقد رضيت بالتأجيل. فلا يطالب المدين بتعجيل الدين ما دام أن الدين مؤجل إلا إذا رضي بطيبة نفس منه.
حكم المفلس الذي لا يفي ماله بما عليه حالًا قال رحمه الله: [ومن ماله لا يفي بما عليه حالًا؛ وجب الحجر عليه بسؤال غرمائه أو بعضهم] . قوله: (ومن ماله لا يفي بما عليه حالًا) هذا النوع من الناس -كما ذكرنا- يدخل في الصورة الثالثة، حيث يكون ماله أقل من دينه، وقوله: (لا يفي بما عليه حالًا) أخرج ما لو إذا كان مآلًا. وإذا كان الدين أكثر من المال ففيه تفصيل: - إما أن يكون الدين حالًا. - وإما أن يكون مؤجلًا. إن كان حالًا فهذا الذي نبحثه، وإن كان مؤجلًا فلا نحجر عليه، ونتركه حتى يأتي الأجل. إذًا الصورة الثالثة: أن يكون الدين أكثر من المال، ومثاله: رجل عليه دين مليونان، وماله الذي عنده يساوي مليونًا؛ فحينئذٍ نقول: هل الدين الذي عليه حال أو مؤجل؟ إن قالوا: كله مؤجل، نقول: انتظروا إلى الأجل، وإن قالوا: بعضه معجل وبعضه مؤجل؛ نظرنا في المعجل، فإن كان أقل -مثلًا- لو قلنا: عليه مليونان والذي عنده مليون؛ فقالوا: بعض المليونين معجل وبعضها مؤجل، فما الحكم؟ ننظر في المعجل، إن كان المعجل أكثر من المليون حينئذٍ يأتي الحكم بالحجر، وإن كان المعجل أقل من المليون لم يحجر عليه وإنما يطالب بالسداد في حدود المعجل، ويكون حكمه حكم الأول؛ لأن المعجل دخل تحت القسم الأول. وتوضيح ذلك أكثر: أن في الصورة الثالثة يكون الدين أكثر من المال، ومثاله:
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)