والرهن الثاني من المنقولات، فكله جائز. وشدد في هذا بعض العلماء وقالوا: الرهن لا يُزاد فيه، والحق مستوثق بالرهن الأول، وهذا قول زفر بن الهذيل، وهو إمام مجتهد رحمة الله عليه، وقد كان من كبار أصحاب الإمام أبي حنيفة المجتهدين، وكان يرى أنك إن أدخلت الرهن الثاني دخل الشيوع، والشيوع عند الفقهاء يُبطل العقد الأول. مثاله: إذا تم العقد الأول على رهن مثلًا بثمانمائة ألف، فقد صار الرهن الأول مستوثقًا بثمانمائة ألف، فلو أَدخل الرهن الثاني أبطل الرهن الأول؛ لأنه دخل في الشيوع، قال: وحينئذٍ لا يصح أن يزيد على الرهن الأول؛ لأن الحق مستوثق به، وقد رضي صاحب الحق بهذا الرهن، فلا تجوز الزيادة. والصحيح هو مذهب الجمهور؛ لأن الزيادة الطارئة كالزيادة المبتدئة؛ لأنه كما اتفق العلماء أنه يجوز أن ترهن بأكثر من الدين، كما لو أعطاك دينًا مليونًا، فيجوز أن ترهن أرضًا قيمتها أكثر من مليون؛ فإذا كان يجوز ابتداءً جاز؛ لأن هذا بالتراضي، وما دام أنه رضي أن يُدخِل الرهن الثاني على الرهن الأول، فهذا له ولا بأس بذلك. وقوله: (دون دينه) أي: لا يجوز أن يزيد في الدين. وتوضيح ذلك: لو باعك رجلٌ أرضًا بمليون على أن تدفع القيمة بعد سنة، فقال لك: أعطني رهنًا، فقلت له: أعطيك عمارتي التي في المدينة الفلانية في الموضع الفلاني رهنًا لقاء هذا المليون الذي اشتريتُ به الأرض، فلو أراد أن يستدين منه أو يشتري منه سلعة ثانية، وأراد أن يجعل العمارة التي رهنها أولًا رهنًا لهذا الدين أو الشراء الثاني، كأن يقول: بعني أرضك الثانية، فقال البائع: الأرض الثانية قيمتها مائة ألف، فقال له: لقد رهنتك العمارة وقيمتها مليون ومائة ألف، فأدخل هذه الزيادة من المال على الدين الأول، ويصبح الدين الأول (المليون) مليونًا ومائة ألف، لقاء هذه العمارة التي قيمتها مليون ومائة ألف، أو قيمتها مليون ومائتا ألف مثلًا، فقالوا: لا يجوز ذلك؛ لأنه إذا تم العقد بالرهن وقُبِض، فمعنى ذلك: أن الرهن قد حُبِس على الدين الأول، وصار مستَحَقًا ومستَوثَقًَا به الدين الأول، ولا يقبل حينئذٍ أن يُصرف إلى الدين الثاني، بخلاف الصورة الأولى، وهي إدخال الرهنين، فإنها ليست كإدخال دين على الرهن، ولو فُتِح هذا لاستضر الناس، وصار هذا وسيلة إلى الأذية والإضرار. ومن الأمور التي تقوِّي هذا القول: أنه لو رهنَه عمارةً قيمتها مليونًا، وجاء ليزيد في الدين، فربما نقصت قيمة العمارة، خاصة إذا كان الرهن من العقارات، وكل شيء له قيمة فلا بد أن تتفاوت قيمه، والغالب أنه مع مضي الزمن ينقص لا أن يزيد، فهذا النقصان الأولى أن لا نُدخله على الدين؛ لأن هذا يُدخِل الضرر على صاحب الدين. وأيًا ما كان الأصل في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [المائدة:1] ، أن هذا الرهن مستَحَق بالدَّين الأول. وهذا كله إذا امتنع، أما لو رضي صاحب الدين، وقال: أُلغِي الرهن الأول وأعطيك إياه، ثم تُدخِله رهنًا بالدينين؛ صحّ ذلك وجاز. فقد فك الرهن الأول، وردّه إلى صاحبه ومالكه الأول الذي هو المدين، ثم عاد ثانية وقال: هذه العمارة لقاء الدينين، فإنه يجوز، وهذا ما يسمى: بالحيلة الشرعية. وبهذا يمكن أن تدخل العمارة باليد الثانية، أي: بعقد ثانٍ غير العقد الأول، وتكون رهنًا لقاء المليون والمائة ألفٍ، ولا بأس بذلك. الرهن المشترك وصوره قال رحمه الله: [وإن رهن عند اثنين شيئًا فوفى أحدهما، أو رهناه شيئًا فاستوفى من أحدهما؛ انفك في نصيبه] . قوله: (وإن رهن عند اثنين شيئًا فوفّى أحدهما) . هذا هو الرهن المشترك، مثاله: أخذتَ من رجل خمسمائة ريال، وأخذت من آخر خمسمائة ريال، وقلت لهما: الألف التي لكما لقاء هذه الدابة، أو رهنت أرضًا، أو رهنت سيارة، فالرهن لقاء دينين، فلو أن هذه السيارة قيمتها مثلًا ألف ريال، والدين ألف ريال، فجئت إلى عبد الله الذي هو صاحب الدين الأول. فسددته قبل انتهاء الأجل، فإذا وقع السداد لحق عبد الله انفك الرهن في نصيبه، وبقي النصف الثاني في نصيب الآخر مرهونًا. والرهن إذا كان للطرفين، فلا يجوز أن يكون عند أحدهما دون الآخر. ومسألة الشيوع في الرهن: إذا أعطيت رهنًا واحدًا في دينين لشخصين، لم يكن لأحدهما أن ينفرد بالرهن دون الآخر؛ لأنه مشترك للحقين، وحينئذٍ
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)