البائع المال، ثم يأتي بالسلعة فيقول المشتري: هذه السلعة لم أتفق عليها معك. فقد حصل القبض بالثمن، وتعين الثمن. وتارة يقول له: هذه أرض في المخطط الفلاني في المكان الفلاني بمائة ألف، قال: قبلت، وتم البيع وأوجبا، ثم اختلفا، هل هي الرقم هذا، أو الرقم ذاك؟ فإذًا: عندنا اختلاف في عين المبيع مع اتحاد الأجناس، وعندنا اختلاف الأنواع مع اختلاف الأجناس وعندنا اتحاد الأجناس والأنواع مع الاختلاف في تحديد العين والذات. هذه كلها تدخل في مسألة اختلاف المتبايعين، فإذا عرفنا صورة الخلاف، فنقول: ثانيًا: ما الحكم؟ الجواب: إن رضي أحدهما بقول الآخر، فلا إشكال، مثل: قال له: بعتك أرضًا، قال: بل بعتني سيارة، أو قال: بعتك مزرعتي قال: بل دفعت لك مائة ألف لقاء سيارتك هذه، قال: إذًا خذ السيارة بمائة ألف، أي: فما دمت لا تريد الأرض فخذ السيارة بمائة ألف، إذًا: فلا خلاف، وإذا اتفقا وارتفع الخلاف، فالحكم أنه يثبت البيع على ما اتفقا عليه. وأما إذا لم يتفقا، فيقول: اشتريت منك السيارة، فيقول: بل بعتك المزرعة، قال: إما أن تعطيني سيارتك على ما اتفقنا عليه، وأدين الله أنك تبايعت معي عليه، وإلا فأعطني مالي. فيصر المشتري على قوله، ويصر البائع على قوله، فحينئذٍ يلجأ إلى القاضي، ويلجأ إلى المفتي الفقيه، ويلجأ إلى الحكم الذي ينصب بين الطرفين لحل الاختلافات.
الحكم المترتب على الاختلاف في عين المبيع قال رحمه الله: (تحالفا) أي: حلف البائع: والله ما بعتك أرضي أو مزرعتي الفلانية، وإنما بعتك سيارتي الفلانية، فيحلف على النفي والإثبات؛ لأن الطرفين متفقان على وجود بيع، ولكن الخلاف في تحديد المبيع. فإذًا: لا بد أن يحلف على إثبات شيء ونفي ما أثبته خصمه، والخصم يحلف على نفي ما أثبته البائع، وإثبات ما يدعيه هو. فيبدأ البائع ثم المشتري، على خلاف بين العلماء رحمهم الله. وبعد التحالف يقع عندنا الآتي: إذا حلف البائع وحلف المشتري، كل منهما حلف على النفي والإثبات تعارضت البينتان، فلا تستطيع أن تلزمني أنا المشتري، بما حلفت عليه، ولا أستطيع أن ألزمك بما حلفت، فإذًا يمينك تسقط يميني، ويميني تسقط يمينك، ودعواك تسقط دعواي، وكلا القولين يسقط، فنرجع إلى الأصل فنرد لكل ذي حق حقه، هذا بالنسبة لصورة المسألة. إذًا: حينما حصل عندنا ثلاثة أمور: أولًا: أن يقع الخلاف بين الطرفين فلا يتفقان، بجميع الصور التي ذكرناها. ثانيًا: الحكم أنهما يتحالفان بالنفي والإثبات على الترتيب الذي ذكرناه، يحلف البائع لأنه يلزم المشتري، ثم بعد ذلك المشتري يحلف بالنفي والإثبات. فإذا حلف البائع والمشتري جاءت المرحلة الثالثة وهي الحكم بفسخ البيع، ثم يترتب على ذلك الأمر الرابع، وهو رد المبيع ثمنًا ومثمنًا. إذًا: عندنا الشيء الأول: وقوع الخلاف وهو أن يختلفا في عين المبيع، وقد يختلفا في قدر الثمن وصنفه، فهذا نوع ذكرناه وبيناه؛ لكن الخلاف هنا في عين المبيع، فكأن المسألة هنا أصعب؛ لأنك تثبت بيعًا، لا يسلم خصمك به، فأولًا: يقع الخلاف. ثانيًا: يتحالفان. ثالثًا: إذا حلف البائع أو حلف المشتري حكمنا بانفساخ البيع، فلا يثبت بيع هذا، ولا يثبت بيع هذا. رابعًا: يترادان، فهذه أربعة أمور لا بد من ضبطها. فإذًا: وقوع الاختلاف بصوره التي ذكرناها، ثم يتحالفان إذا لم يرض أحدهما بقول الآخر، وهذا الحلف -كما سبق وأن بيناه- يسمى يمين التهم، ثم يحكم بفسخ البيع، ثم يترادان. وهذا من عدل الله بين عباده، فإن فسخ البيع بينهما عدل بين قول البائع والمشتري، ثم لماذا نحكم بفسخ البيع؟ لأنك إذا قلت: إن البيع منفسخ يترتب عليه آثار، فالسلعة بنتاجها وما عليها تعود إلى البائع، والثمن يعود بكامله إلى المشتري، فلا يثبت بيع على هذا لقول هذا، ولا العكس. قال رحمه الله: [تحالفا، وبطل البيع] : أي: تحالف الطرفان، وهذا سبق وسماه العلماء يمين التهم، ويمين التهم لها أصل في آية الشهادة على الوصية في السفر. [وبطل البيع] : هذا هو الحكم الثالث.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)