ومنها: النوم، فإنه عادة إلا أن العبد إذا نوى به النية الصالحة فإنه يترقى من كونه مباحًا لا ثواب فيه إلى كونه عبادة يثاب عليها، فلا يرفع عنه قلم الحسنات وهو مستغرق في نومته، وذلك بأن ينوي بنومته هذه التقوي على طاعة الله تعالى، ذلك لأن الله تعالى جعل النوم من ضرورات الجسد، فلو لم ينم العبد لاختل نظام عقله فبما أنه لا بد له من النوم، ونحن غالبًا نقطع في النوم وقتًا طويلًا فينبغي للعاقل أن يحرص على هذا الوقت بالنية الصالحة، وهي لا تكلف شيئًا وإنما هي مجرد استشعار قلبي بأن هذه النومة مما يقوي على طاعة رب الأرض والسماوات، فيكون نومه كله من أوله إلى آخره عبادة لأن المباحات والعادات تنقلب عبادات بالنيات الصالحات.
ومنها: الذهاب للوظيفة، فإن غالب الناس رجالًا ونساءً له وظيفة راتبة يذهب لها يوميًا ويقطع فيها وقتًا طويلًا، وهذا الذهاب وهذه الوظيفة من جملة العادات التي لا ثواب فيها ولا عقاب إلا أن العبد الناصح لنفسه ينبغي له أن يحرص على استغلال هذا الوقت ليكون في ميزان حسناته، وذلك لا يكون إلا بالنية الصالحة بأن ينوي بهذه الوظيفة والذهاب إليها كسب المال الحلال الذي به يكف وجهه عن السؤال ويستطيع به إقامة نفسه ومن تحت يده من الزوجة والأولاد، وأن يقصد نفع الأمة بعمله هذا من تعليم العلم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتيسير عل الناس والشفاعة الحسنة لهم، وغير ذلك، فإن هذه الوظائف نوع من التمكين في الأرض وقد قال الله تعالى ?الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ? فإذا نوى العبد ذلك فإنه يترقى بوظيفته هذه من كونها مباحًا لا يثاب عليه إلى كونها عبادة يثاب عليها، فالذي ينبغي للعبد أن يحرص على ذلك كل الحرص، ولكن الشيطان حريص على تغفيل القلوب عن مثل هذه النية الطيبة لأنه يعلم عظم الأجر المترتب على ذلك والله المستعان.
ومنها: التنزه في البراري والحدائق العامة ونحو ذلك، فإن الأصل فيه أنه مباح ما لم يترتب عليه محرم، وبعض الناس يقطع فيه أوقاتٍ كبيرة فكيف يجعله العبد في ميزان حسناته؟ الجواب يكون ذلك عبادة بالنية الصالحة ذلك لأن المباحات تكون عبادات بالنيات الصالحات، وذلك بأن ينوي بهذا العمل إراحة النفس وإجمامها وتفريغ شحنات الهم عنها حتى إذا أقبلت على العبادة تقبل بقبول وانشراح فإن النفوس إذا أخذت بالجد دائمًا تعبت ومللت وانقطعت، فلا بد من فترات الترويح والإجمام فحيث كان لا بد منها فلا بد أن يغتنم العبد أوقاتها ولا يكون ذلك إلا بالنية الصالحة، والدين مبناه على الوسطية والاعتدال فما يخالف العبد هذه الوسطية في أي إلا ويكون مآله الانقطاع، فلا يأخذ نفسه بالجد دائمًا ولا يفتح لها أبواب اللهو على مصراعيه ولكن» ساعة وساعة «كما قال أرحم الخلق بالخلق ? والمراد بذلك أن يمزج الإنسان حياته بالجد والنشاط تارة فإذا رأى فيها فتورًا أو كسلًا أعطاها شيئًا من اللهو المباح الذي لا محظور فيه وعليه أن يحتسب هذا الوقت لوقت الجد، فإذا فعل العبد ذلك فإنه يكون في عبادة دائمًا.
ومنها: المزاح الخالي عن الحرام، فإن الأصل فيه أنه عادة ومباح ولا يكاد يخلو منه أحد غالبًا، والعبد يستطيع أن يجعل مزاحه هذا في ميزان حسناته وذلك بأن ينوي به أراحة النفس لتقبل على العبادة بجد ونشاط، وينوي به أيضًا إدخال السرور على إخوانه المسلمين فإن ذلك من أحب الأعمال إلى الله تعالى، وينوي به تفريج هموم إخوانه فإن بعض الناس يذهب المزاح ما علق بقلبه من الهموم، وإذا كان معلمًا في حلقة فلينو بمزاحه إذهاب الملل عن الطلبة من طول الجلوس وثقل المسائل، ونحن في حلقاتنا ولله الحمد لا نخلو من ذلك وقد يظن بعض الناس أن المزاح يذهب الهيبة ويسقط المروءة، وهذا ظن فاسد، بل هو مما يوجب انشراح الصدور وانبساط النفس وزيادة النشاط وذهاب الهم والغم، وزيادة الألفة، وزوال الوحشية من النفوس وتوثيق عرى الأخوة والمحبة، إلا أنه لا بد أن يكون باعتدال كما ذكرت سابقًا، لأن الدين مبني على الوسطية والاعتدال، ويكفيك في بيان شأن المزاح صدوره من أفضل الخلق على الإطلاق ?، حتى مع الأطفال، ففي الصحيحين من حديث أنس ? قال: إن
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)