ثُمَّ ذَكَرَ مَا أَسْنَدَ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ «تَارِيْخُ بَغْدَادَ» (11/ 47) عَنْ أَحْمَدَ بْنِ سَيَّارِ بْنِ أَيُّوبَ قَالَ: وَهُوَ مِنْ آحَادِ الْمَعْدُودِينَ فِي الزُّهْدِ، قَدِمَ مَرْوَ أَيَّامَ الْمَأْمُونِ، يُرِيدُ التَّوَجَّهَ إِلَى الْغَزْوِ، فَأُدْخِلَ عَلَى الْمَأْمُونِ، فَلَمَّا سَمِعَ كَلامَهُ جَعَلَهُ مِنْ الْخَاصَّةِ مِنْ إِخْوَانِهِ، وَحَبَسَهُ عِنْدَهُ إِلَى أَنْ خَرَجَ مَعَهُ إِلَى الْغَزْوِ، فَلَمْ يَزَلْ عِنْدَهُ مُكْرَمًَا إِلَى أَنْ أَرَادَ إِظْهَارَ كَلامِ جَهْمٍ وَقَوْلِهِ الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ، وَجَمَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ بِشْرٍ الْمَرِيسِيِّ، وَسَأَلَهُ أَنْ يُكَلِّمَهُ، وَكَانَ الْهَرَوِيُّ يَرُدُّ عَلَى أَهْلِ الأَهْوَاءِ مِنَ الْمُرْجِئَةِ وَالْجَهْمِيَّةِ وَالزَّنَادِقَةِ وَالْقَدَرِيَّةِ، وَكَلَّمَ بِشْرَ الْمَرِيسِيَّ غَيْرَ مَرَّةٍ بَيْنَ يَدَيْ الْمَأْمُونِ مَعَ غَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْكَلامِ، كُلُّ ذَلِكَ كَانَ الظَّفَرُ لَهُ، وَكَانَ يُعْرَفُ بِكَلامِ الشِّيعَةِ، وَنَاظَرْتُهُ فِي ذَلِكَ لأَسْتَخْرِجَ مَا عِنْدَهُ، فَلَمْ أَرَهُ يُفَرِّقُ، وَرَأَيْتُهُ يُقَدِّمُ أبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَيَتَرَحَّمُ عَلَى عَلِيٍّ وَعُثْمَانَ، وَلا يَذْكُرُ أَصْحَابَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلا بِالْجَمِيلِ، وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: هَذَا مَذْهَبِي الَّذِي أَدِينُ اللهَ بِهِ، إِلا أَنَّ عِنْدَهُ أَحَادِيثَ يَرْوِيهَا فِي الْمَثَالِبِ.
قُلْتُ: إِنْ كَانَ أبُو الصَّلْتِ الرَّافِضِيُّ كَمَا زَعَمَ ابْنُ سَيَّارٍ يُنَاظِرُ الْجَهْمِيَّةَ بِحَضْرَةِ الْمَأْمُونِ، وَيَغْلِبُهُمْ وَيَحْتَجُّ عَلَيْهِمْ، فَكَيْفَ قَوِيَتْ شَوْكَةُ الْجَهْمِيَّةَ لَدَى الْمَأْمُونِ، حَتَّى جَاهَرَ بِالْقَوْلِ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ، وَعَانَدَ جَمَاهِيرَ أَهْلِ الْبَصِيرَةِ وَالْعِرْفَانِ!!.
وَأبُو الصَّلْتِ الْهَرَوْيُّ، وَإِنْ كَانَ مَوْصُوفًَا بِالنُّسْكِ وَالصَّلاحِ، لَكِنَّهُ غَيْرُ مَأْمُونِ الرِّوَايَةِ ذَاهِبُ الْحَدِيثِ، فَاسِدُ الْمَذْهَبِ، فَهُوَ شِيعِيُّ جَلِدٌ. فَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَالسَّاجِيُّ وَأبُو نُعَيْمٍ الأَصْبَهَانِيُّ: رَوَى أَحَادِيثَ مَنَاكِيْرَ. وَزَادَ أَحْمَد: رَوَى عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ أَحَادِيثَ لا نَعْرِفُهَا، وَلَمْ نَسْمَعْهَا مِنْهُ. وَقَالَ الْجَوْزَجَانِيُّ: كَانَ زَائِغًَا عَنِ الْحَقِّ، مَائِلًا عَنِ الْقَصْدِ، سَمِعْتُ مَنْ حَدَّثَنِي عَنْ بَعْضِ الأَئِمَّةِ أنَّهُ قَالَ فِيهِ: هُوَ أَكْذَبُ مِنْ رَوَثِ حِمَارِ الدَّجَال ِ. وَقَالَ أبُو زُرْعَةَ الرَّازِيُّ: لا أُحَدِّثُ عَنْهُ وَلا أَرْضَاهُ. وَقَالَ أبُو حَاتِمٍ: لَمْ يَكُنْ عِنْدِي بِصَدُوقٍ، وَهُوَ ضَعِيفٌ. وَقَالَ النَّسَائِيُّ: لَيْسَ بِثِقَةٍ. وَقَالَ الُعْقَيْلِيُّ: كَانَ رَافِضِيًَّا خَبِيثًَا كَذَّابًَا. وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ: يَرْوِي عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ وَأَهْلِ الْعِرَاقِ الْعَجَائِبَ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ، لا يَجُوزُ الاحْتِجَاجُ بِهِ إِذَا انْفَرَدَ.
وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: لَهُ أَحَادِيثٌ مَنَاكِيْرُ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَفَاطِمَةَ وَالْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ، وَهُوَ مُتَّهَمٌ بِهَذِهِ الأَحَادِيثِ، وَرَوَي عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى الرِّضَا حَدِيثَ «الإِيْمَانُ مَعْرِفَةٌ بِالْقَلْبِ» وَهُوَ مُتَّهَمٌ بِهِ، وَذَكَرَ مِنْ مَنَاكِيْرِهِ حَدِيثَهُ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ نَا مَعْمَرٌ عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَتْ فَاطِمَةُ: يَا رَسُولَ اللهِ، زَوَّجْتَنِي عَائِلًا لا مَالَ لَهُ!، فَقَالَ: «أَمَا تَرْضَيْنَ أَنَّ اللهَ اطَّلَعَ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ، فَاخْتَارَ مِنْهُمْ رَجُلَيْنِ، فَجَعَلَ أَحَدَهُمَا أَبَاكِ، وَالآخَرَ بَعْلَكِ» .
وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: رَافِضِيُّ خَبِيثٌ، مُتَّهَمٌ بِوَضْعِ حَدِيثِ «الإِيْمَانُ مَعْرِفَةٌ بِالْقَلْبِ» ، لَمْ يُحَدِّثْ بِهِ إِلا مَنْ سَرَقَهُ مِنْهُ. وَقَالَ الْخَلِيلِِيُّ: مَشْهُورٌ رَوَى عَنْهُ الْكِبْار ُ، وَلَيْسَ بِقَوِيٍّ عِنْدَهُمْ.
وَأَمَّا الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ، فَبَعْدَ أَنْ وَهَّاهُ بِقَوْلِهِ فِي «الدِّرَايَةِ» : ضَعِيفٌ يَسْرِقُ الْحَدِيثَ، وَفِي «تَخْرِيْجِ أَحَادِيثِ الْكَشَّافِ» : مَتْرُوكُ، خَالَفَ فِي «تَقْرِيبِهِ» (1/ 355) فَقَالَ: «أبُو الصَّلْتِ الْهَرَوْيُّ مَوْلَى قُرَيْشٍ صَدُوقٌ لَهُ مَنَاكِيْرٌ، وَكَانَ يَتَشَيُّعُ، وَأَفْرَطَ الْعُقَيْلِيُّ فَقَالَ: كَذَّابٌ» .
قُلْتُ: وَمَا أَفْرَطَ الْعُقَيْلِيُّ وَلا جَاوَزَ الْحَقَّ، فَإِنَّ مَنَاكِيْرَ الشِّيعَةِ لَيْسَتْ كَغَيْرِهَا، بَلْ هِيَ بِالْكَذِبِ وَالتَّزْوِيرِ أَشْبَهُ.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)