ولما رجع من صفّين تغيّر كلامه، وكان يقول:"لا تكرهوا إمارة معاوية، فلو قد فقدتموه لرأيتم الرؤوس تتطاير عن كواهلها". وقد روي هذا عن عليّ رضي الله عنه من وجهين أو ثلاثة. وتواترت الآثار بكراهته الأحوال في آخر الأمر، ورؤيته اختلاف الناس وتفرّقهم، وكثرة الشر الذي أوجب أنه لو استقبل من أمره ما استدبر ما فعل ما فعل.
وبالجملة ليس علينا أن نعرف كل واحد تاب، ولكن نحن نعلم أن التوبة مشروعة لكل عبدٍ: للأنبياء ولمن دونهم، وأن الله سبحانه يرفع عبده بالتوبة، وإذا ابتلاه بما يتوب منه، فالمقصود كمال النهاية لا نقص البداية، فإنه تعالى يحب التوّابين ويحبّ المتطهرين، وهو يُبدِّل بالتوبة السيئات حسنات.
والذنب مع التوبة يوجب لصاحبه من العبودية والخشوع والتواضع والدعاء وغير ذلك، ما لم يكن يحصل قبل ذلك. ولهذا قال طائفة من السّلف: إن العبد ليفعل الذنب فيدخل به الجنة، ويفعل الحسنة فيدخل بها النار. يفعل الذنب فلا يزال نصب عينيه، إذا ذكره تاب إلى الله ودعاه وخشع له فيدخل به الجنة، ويفعل الحسنة فيُعجب بها فيدخل النار.
وفي الأثر:"لو لم تذنبوا لخفت عليكم ما هو أعظم من الذنب، وهو العُجب". وفي أثر آخر"لو لم تكن التوبة أحب الأشياء إليه لما ابتلى بالذنب أكرم الخلق عليه".
وفي أثر آخر:"يقول الله تعالى: أهل ذكي أهل مجالستي، وأهل شكري أهل زيادتي، وأهل طاعتي أهل كرامتي، وأهل معصيتي لا أقنّطهم من رحمتي، إن تابوا فأنا حبيبهم، فإن الله يحب التّوابين ويحب المتطهرين، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم، أبتليهم بالمصائب لأطهّرهم من المعايب". والتائب حبيب الله سواء أكان شابًا أو شيخًا.