فمن ذكر ما عيب عليهم ولم يذكر توبتهم، التي بها رفع الله درجتهم، كان ظالمًا لهم، كما جرى من بعضهم يوم الحديبية، وقد تابوا منه، مع أنه كان قصدهم الخير. وكذلك قصة حاطب بن أبي بلتعة تاب منها، بل زانيهم كان يتوب توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له، كما تاب ماعز بن مالك وأتى إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم حتى طهَّره بإقامة الحد عليه (1) . وكذلك الغامدية بعده. وكذلك كانوا زمن عمر وغيره إذا شرب أحدهم الخمر أتى إلى أميره، فقال: طهِّرني وأقم عليَّ الحد. فهذا فعل من يأتي الكبير منهم حين يعلمها حرامًا، فكيف إذ أتى أحدهم الصغيرة أو ذنبًا تأوَّل فيه ثم تبين له خطؤه؟
وعثمان بن عفّان رضي الله عنه تاب توبة ظاهرة من الأمور التي صاروا ينكرونها، ويظهر له أنها منكر. وهذا مأثور مشهور عنه رضي الله عنه وأرضاه.
وكذلك عائشة رضي الله عنها ندمت على مسيرها إلى البصرة، وكانت إذا ذكرته تبكي حتى تبل خمارها.
وكذلك طلحة ندم على ما ظن من تفريطه في نصر عثمان وعلى غير ذلك. والزبير ندم على مسيره يوم الجمل.
وعليّ بن أبي طالب رضي الله عنه ندم على أمور فعلها من القتال وغيره، وكان يقول:
لقد عجزتُ عجزة لا أعتذر ... سوف أكيس بعدها وأستمر
وأجمع الرأي الشتيت المنتشر
وكان يقول ليالي صفِّين:"لله درّ مقام قامه عبد الله بن عمر وسعد بن مالك؛ إن كان برًّا إن أجره لعظيم، وإن كان إثمًا إن خطره ليسير"وكان يقول:"يا حسن يا حسن! ما ظنَّ أبوك أن الأمر يبلغ إلى هذا، ودّ أبوك لو مات قبل هذا بعشرين سنة".
(1) حديث إقامة الحد على ماعز بن مالك جاء من وجوه كثيرة وهو في البخاري ومسلم، ولكن النص على أنه تاب وأن الله قبل توبته جاء في حديث عن سليمان بن بريدة عن أبيه رضي الله عنه في: مسلم 3/1321-1323 (كتاب الحدود، باب مَن اعترف على نفسه بالزنا) وفيه أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال عنه:"لقد تاب توبةً لو قُسمت بين أمّة لوسعتهم".