الصفحة 38 من 127

وهكذا تجد في غالب الأمور بدع هؤلاء أشنع من بدع أولئك. ولم يكن أحد منهم يتعرَّض لأبي بكر وعمر إلا بالمحبة والثناء والتعظيم، ولا بلغنا أن أحدًا منهم كفَّر عليًّا، كما كفّرته الخوار الذي خرجوا عليه من أصحابه. وإنما غاية من يعتدي منهم على عليٍّ رضي الله عنه أن يقول: كان ظالمًا، ويقولون: لم يكن من الخلفاء، ويروون عنه أشياء من المعاونة على قتل عثمان، والإشارة بقتله في الباطن، والرضا بقتله.

وكل ذلك كذب على عليٍّ رضي الله عنه. وقد حَلَفَ رضي الله عنه - وهو الصادق بلا يمين - أنه لم يقتل عثمان، ولا مالأ على قتله، بل ولا رضي بقتله، وكان يلعن قتلة عثمان (1) .

وأهل السنة يعلمون ذلك منه بدون قوله. فهو أتقى لله من أن يُعين على قتل عثمان، أو يرضى بذلك.

فما قالته شيعة عليّ في عثمان أعظم مما قالته شيعة عثمان في عليّ؛ فإن كثيرًا منهم يكفّر عثمان. وشيعة عثمان لم تكفِّر عليًّا. ومن لم يكفِّره يسبُّه ويبغضه أعظم مما كانت شيعة عثمان تبغض عليًّا.

وأهل السُّنّة يتولون عثمان وعليًّا جميعًا. ويتبرؤون من التشيع والتفرّق في الدين، الذي يوجب موالاة أحدهما ومعاداة الآخر. وقد استقرّ أمر أهل السنة على أن هؤلاء مشهود لهم بالجنة، ولطلحة والزبير، وغيرهما ممن شهد له الرسول بالجنة، كما قد بُسط في موضعه. وكان طائفة من السّلف يقولون: لا نشهد بالجنة إلا لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم خاصة. وهذا قول محمد بن الحنفية والأوزاعي وطائفة أخرى من أهل الحديث، كعليّ بن المديني وغيره، يقولون: هم في الجنة، ولا يقولون: نشهد لهم بالجنة.

والصواب أنّا نشهد لهم بالجنة كما استقر على ذلك مذهب أهل السُّنَّة. وقد ناظر أحمد بن حنبل لعليّ بن المديني في هذه المسألة.

(1) قال أبو عبد الرحمن: انظر"عثمان بن عفان"لابن عساكر ص460-483. حيث ذكر ابن عساكر رحمه الله تعالى أقوال علي رضي الله عنه في قتلة عثمان رضي الله عنه. وانظر مقدمة هذا الجزء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت