وختاما ً أيها الأخ الكريم ..
إن كنت ممَن استزلّه الشيطان يومًا فوقع في أعراض بعض العلماء الربانيين أو الدعاة العاملين فأرِزْ إلى ناحيةٍ من مسجدٍ عتيق تجدُ فيه قلبك وابكِ خطيئتك وأعلنها توبة نصوحًا لا نكوص بعدها .. وردد بإخباتٍ وانكسارٍ .. (ربنا اغفرْ لنا ولإخواننا الذين سَبقونا بالإيمانِ ولا تجعَلْ في قلوبِنا غلًا للذين آمَنوا ربَّنا إنكَ رؤوفٌ رَحيْمٌ) . الحشر-10.
وإن كنت ممن قد تناوشه باغٍ بأباطيل زائفة وأكاذيب مرجفة، فلا تقف ولو للحظة واحدة تلتفتُ فيها إليه فدَعْوتُك إلى تلك اللحظةِ أحْوَج .. وردد بصوتٍ يَسْمعُه وأنت ماضٍ عنه .. (لئن بسطتَ إليَّ يدَك لتقتلني ما أنا بباسطٍ يديَ إليك لأقتلك إني أخاف الله ربَّ العالمين) . المائدة-28.
وما أروع ما رواه الإمام الذهبي عن يونس الصدفي حين قال:"ما رأيت أعقل من الشافعي، ناظرته يومًا في مسألة ثم افترقنا، ولقيني فأخذ بيدي ثم قال: يا أبا موسى ألا يستقيم أن نكون إخوانًا وإن لم نتفق في مسألة؟!". (24)
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين ...
وهنا أيضا
يسرّ الله - سبحانه وتعالى- لي بفضله خلال الأشهر الماضية لقاء عدد غير قليل من الدعاة ورجالات الإسلام من مختلف الدول الإسلامية- العربية وغير العربية- فكانت هذه اللقاءات فرصة ثمينة للتعرف على تطورات العمل الإسلامي، وتبادل الخبرات والتجارب الدعوية في وقت تعاني فيه الصحوة الإسلامية من أزمة كبيرة في وسائل الاتصال والإعلام، فلا يتيسر للإنسان في كثير من الأحوال أن يتعرف على أوضاع الدعوات الإسلامية إلا من خلال القنوات الإعلامية الرسمية التي تتعمد تشويه الحقائق وتزويرها.
ومن ثم فإن لقاء عدد كبير من الدعاة والمهتمين بالعمل الإسلامي من أقطار مختلفة، وفي أوقات متقاربة، يكون مكسبًا عظيمًا يثري المعرفة الدعوية، وينضج التجارب العلمية، وخاصة أن كثيرًا من الدعوات تعاني من العزلة، إذ إن كل اتجاه إسلامي يشعر بأنه منقطع الصلة بالآخرين، لا علاقة له بإخوانه، ولهذا تراه يبدأ من حيث بدأ غيره، ويعيد التجارب والأخطاء نفسها، بسبب قصوره وجهله حينًا وبسبب عجزه وعدم اطلاعه على مكتسبات الآخرين حينًا آخر.
ولقد سررت جدًا بتلك الأخبار التي تواترت عن الانتشار المذهل للصحوة الإسلامية التي فرضت نفسها على الساحة الإعلامية والعالمية، حتى فاق هذا الانتشار والتنامي المتسارع توقعات المحللين والمتابعين، ومراكز الدراسات المستقبلية المتخصصة، على الرغم من كثرة العوائق، وألوان التغريب والعلمنة التي تجتاح العالم الإسلامي، مما يؤكد صلابة هذا الدين وتجذره في بلاد المسلمين.
ولكن .. أزعجني جدًا ذلك الصراع العنيف بين فصائل العمل الإسلامي، حتى إنني أحسست بأن الجامع المشترك الأكبر بين جميع الفصائل الإسلامية هو الخلاف، بل الصراع الذي يصل إلى حد الاتهام والتجريح والعداء .. !!
ورأيت تسابقًا عجيبًا على السباب والشتائم والتراشق بالتُّهم. والتقليل من شأن الآخرين والاستهانة بمنجزاتهم، ويتبع ذلك تزكية النفس والثناء على الذات، والظهور بمظهر المشيخة والأستاذية.
تستمع إلى الداعية فيعجبك حسن منطقه وهدؤه وسلاسة عرضه، وموضوعيته في الحوار، حتى إذا سألته عن داعية من فصيل آخر، أو جاء الحديث عن مواقف الفصائل الأخرى: تفاجأ بأن الموضوعية التي يتميز بها قد تبخرت، وعباراته المهذبة قد انقلبت إلى نقيضه، وعلته الكآبة والضجر. وإذا كان هذا المتكلم مهذبًا فإنه يميل إلى التعميم المطلق ويعطي إجابات عائمة لا تفهم منها شيئًا. وكلما توسعت دائرة الحديث ازدادت الهوة وزاد التشنج، وضعفت القدرة على ضبط النفس وغابت المنهجية عند الإنسان .. !!
استمعت إلى أحدهم في محاضرة عامة يتحدث عن الأخوة والمحبة، وأخذ يسرد - ببراعة فائقة- النصوص الشرعية في التحذير من الغيبة والنميمة، حتى أَسَر القلوب، وأثَّر في سامعيه تأثيرًا بالغًا. ثم اجتمعت به - بعد يومين فقط- في مجلس خاص ضم عددًا من الدعاة، فرأيته يتحدث بلسان آخر عن إخوانه .. أصبح التجريح أول ما ينطلق من اللسان، وأصبحت التهمة والأخذ بالظنة هي الأساس، وتحول الاختلاف السائغ في الرأي إلى أزمة في الثقة!.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)