قلت: وعندي لهذا الأثر أيضا تأويلان آخران:
أحدهما: ذكره أبو علي الأهوازي في كتاب «الإيضاح» ، والحافظ أبو العلاء [1]
في كتاب «المقاطع» ، أن قوله: «زاجر وآمر» إلى آخره، استئناف كلام آخر، أي هو كذلك، ولم يرد به تفسير الأحرف السبعة، وإنما توهم ذلك من توهمه، لاتفاقهما في العدد وهو السبعة، وروي: «زاجرا وآمرا» بالنصب، أي نزل على هذه الصفة من سبعة أبواب على سبعة أحرف، ويكون المراد بالأحرف غير ذلك.
التأويل الثاني: أن يكون ذلك تفسيرا للأبواب، لا للأحرف، أي هذه سبعة أبواب من أبواب الكلام وأقسامه وأنواعه، أي أنزله الله تعالى كائنا من هذه الأصناف، لم يقتصر به على صنف واحد، بخلاف ما يحكى أن الإنجيل كله مواعظ وأمثال، والله أعلم.
إذا ثبت هذا فنعود إلى تفسير الأحرف السبعة بأحد القولين: وهما اللغات السبع مع اتحاد صورة الكتابة، والثاني الألفاظ المترادفة والمتقاربة المعاني كما سبق.
وقد ضعف الأهوازي تفسير الأحرف السبعة باللغات، قال: لأن اللغات في القبائل كثير عددها وأبطل تفسيرها بالأصناف، لأن أصنافه أكثر من ذلك، منها الإخبار، والاستخبار على وجه التقرير والتقريع، ومنها الوعد، والوعيد، والخبر بما كان وبما يكون، والقصص، والمواعظ، والاحتجاج، والتوحيد، والثناء، وغير ذلك.
واختار الحافظ أبو العلاء تفسيرها باللغات المتفرقة في القرآن، قال: وليس الغرض أن تأتي اللغات السبع في كل كلمة من كلم القرآن، بل يجوز أن يأتي في الكلمة وجهان أو ثلاثة، فصاعدا إلى سبعة، ولم تأت سبعة أوجه إلا في كلمات محصورة، نحو {لِجِبْرِيلَ} [البقرة: 97] ، و {عَبَدَ الطََّاغُوتَ،} و {أَرْجِهْ}
[الأعراف: 111] ، و {أُفٍّ،} و {بِعَذََابٍ بَئِيسٍ} [الأعراف: 165] ، و {هَيْهََاتَ}
[المؤمنون: 36] ، ودرّيّ توقد [النور: 35] ، ونظائرها، قال: وروي عن أبي طاهر بن أبي هاشم [2] أنه قال: شاف أي يشفي من الريب، لا يقصر بعضه عن بعض في
(1) الحافظ أبو العلاء: هو الحسن بن أحمد بن الحسين بن أحمد، أبو العلاء الهمداني، توفي سنة 569هـ. (انظر ترجمته في: غاية النهاية 1/ 204، بغية الوعاة ص 215) .
(2) أبو طاهر بن أبي هاشم: هو عبد الواحد بن عمر بن محمد بن أبي هاشم البزار (نسبة إلى أعمال البزر) ، أبو طاهر البغدادي المقرئ، توفي سنة 349هـ، له من المصنفات: «الانتصار لحمزة» ، «رسالة في الجهر بالبسملة» ، «قراءة الأعمش» ، «قراءة حمزة الكبير» ، «قراءة