«قال أبو عمر: وهو الذي عليه الناس في مصاحفهم وقراءتهم من بين سائر الحروف، لأن عثمان رضي الله عنه جمع المصاحف عليه» . قال: «وهذا الذي عليه جماعة الفقهاء فيما يقطع عليه، وتجوز الصلاة به، وبالله العصمة والهدى» [1] .
قلت: وسنعود إلى الكلام في هذا في الفصل الثالث إن شاء الله تعالى.
ذهب قوم في قول النبي صلى الله عليه وسلّم: «أنزل القرآن على سبعة أحرف» إلى أنها سبعة أنحاء وأصناف، فمنها زاجر، ومنها آمر، ومنها حلال، ومنها حرام، ومنها محكم، ومنها متشابه واحتجوا بحديث يرويه سلمة بن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبيه عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: «كان الكتاب الأوّل نزل من باب واحد على حرف واحد، ونزل القرآن من سبعة أبواب على سبعة أحرف: زاجر وآمر وحلال وحرام ومحكم ومتشابه وأمثال، فأحلّوا حلاله وحرّموا حرامه وافعلوا ما أمرتم به وانتهوا عما نهيتم عنه واعتبروا بأمثاله واعملوا بمحكمه وآمنوا بمتشابهه وقولوا: آمنّا به كلّ من عند ربّنا» [2] .
قال أبو عمر بن عبد البر:
«هذا حديث عند أهل العلم لم يثبت، وأبو سلمة لم يلق ابن مسعود، وابنه سلمة ليس ممن يحتج به، وهذا الحديث مجتمع على ضعفه من جهة إسناده، وقد رده قوم من أهل النظر، منهم أحمد بن أبي عمران فيما سمعه الطحاوي منه قال: من قال في تأويل السبعة الأحرف هذا القول فتأويله فاسد، لأنه محال أن يكون الحرف منها حراما لا ما سواه، أو يكون حلالا لا ما سواه، لأنه لا يجوز أن يكون القرآن يقرأ على أنه حلال كله، أو حرام كله، أو أمثال كله. قال أبو عمر: ويرويه الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن سلمة بن أبي سلمة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلّم مرسلا» .
قلت: وهكذا رواه البيهقي في كتاب «المدخل» وقال: هذا مرسل جيد، أبو سلمة لم يدرك ابن مسعود. ثم رواه موصولا وقال: فإن صح فمعنى قوله «سبعة أحرف» : أي سبعة أوجه، وليس المراد به ما ورد في الحديث الآخر من نزول القرآن على سبعة أحرف، ذاك المراد به اللغات التي أبيحت القراءة عليها، وهذا المراد به الأنواع التي نزل القرآن عليها، والله أعلم.
(1) انظر «التمهيد» 4/ 67.
(2) أخرجه الحاكم في المستدرك 2/ 289، والطبراني في المعجم الكبير 1/ 23، والمتقي الهندي في كنز العمال 2459، وابن حجر في فتح الباري 9/ 29.