قال أبو حامد الغزالي [1] في كتاب «ذم الغرور» [2] :
«اللب الأقصى هو العمل، والذي فوقه هو معرفة العمل، وهو كالقشر للعمل وكاللب بالإضافة إلى ما فوقه، والذي فوقه هو سماع الألفاظ وحفظها بطريق الرواية، وهو قشر بالإضافة إلى المعرفة ولب بالإضافة إلى ما فوقه، وما فوقه هو العلم باللغة والنحو، وفوق ذلك القشرة العليا وهو العلم بمخارج الحروف، والعارفون بهذه الدرجات كلهم مغترون إلّا من اتخذ هذه الدرجات منازل، فلم يعرج عليها إلا بقدر حاجته، فتجاوز إلى ما وراءه، حتى وصل إلى باب العمل، وطالب بحقيقة العمل قلبه وجوارحه، ورجى عمره في حمل النفس عليه وتصحيح الأعمال وتصفيتها عن الشوائب والآفات، فهذا هو المقصود المخدوم من جملة علوم الشرع، وسائر العلوم خدم له ووسائل إليه وقشور له ومنازل بالإضافة إليه، وكل من لم يبلغ المقصد فقد خاب، سواء كان في المنزل القريب، أو في المنزل البعيد وهذه العلوم لما كانت متعلقة بعلوم الشرع اغتر بها أربابها» .
وقال في كتاب «تلاوة القرآن» [3] :
«أكثر الناس منعوا من فهم القرآن لأسباب وحجب سدلها الشيطان على قلوبهم، فعميت عليهم عجائب أسرار القرآن، أولها: أن يكون الهم منصرفا إلى تحقيق الحروف بإخراجها من مخارجها، وهذا يتولى حفظه شيطان وكّل بالقراء ليصرفهم عن معاني كلام الله تعالى، فلا يزال يحملهم على ترديد الحرف، يخيل إليهم أنه لا يخرج من مخرجه، فهذا يكون تأمله مقصورا على مخارج الحروف، فأنّى تنكشف له المعاني؟ وأعظم ضحكة الشيطان لمن كان مطيعا لمثل هذا التلبيس» .
ثم قال: «وتلاوة القرآن حقّ تلاوته أن يشترك فيه اللسان والعقل والقلب، فحظ اللسان تصحيح الحروف بالترتيل، وحظ العقل تفسير المعاني، وحظ القلب الاتعاظ والتأثر والانزجار والائتمار. فاللسان يرتل والعقل يترجم والقلب يتعظ» [4] .
قلت: صدق رحمه الله، ومع أن الأمر كذلك، فقد تجاوز بعض من يدعي
(1) هو محمد بن محمد بن محمد بن محمد الإمام، حجة الإسلام، أبو حامد الغزالي الطوسي الشافعي، ولد سنة 450هـ، وتوفي سنة 505هـ. من مصنفاته: «الأجوبة المسكتة عن الأسئلة المبهتة» ، «إحياء علوم الدين» ، «مقاصد الفلاسفة» ، «كيمياء السعادة» فارسي، «تهافت الفلاسفة» ، «التبر المسبوك في نصائح الملوك» ، «جواهر القرآن» ، «السر المصون والجوهر المكنون» ، «فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة» ، «المنقذ من الضلال والمفصح عن الأحوال» وغير ذلك الكثير. (كشف الظنون 6/ 8079) .
(2) انظر «إحياء علوم الدين» 3/ 398.
(3) انظر «إحياء علوم الدين» 1/ 292.
(4) انظر «إحياء علوم الدين» 1/ 295.