وقال أبو الزناد: إنما ذكر - صلى الله عليه وسلم - أنه يأتيه الوحى في مثل صلصلة الجرس، ويتمثل له رجلًا ولم يذكر الرؤيا، وقد أعلمنا - صلى الله عليه وسلم - أن رؤياه وحى، وذلك أنه أخبرهم بما ينفرد به دون الناس، لأن الرؤيا الصالحة قد يشركه غيره فيها.
وأما قول عائشة: تمت أول ما بدء به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الوحى الرؤيا الصالحة، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح - .
قال المهلب: هى تباشير النبوة وكيفية بدئها، لأنه لم يقع فيها ضغث، فيتساوى مع الناس في ذلك، بل خص بصدقها كلها، وكذلك قال ابن عباس: رؤيا الأنبياء وحى، وقرأ: {إِنِّى أَرَى فِى الْمَنَامِ أَنِّى أَذْبَحُكَ} [الصافات: 102] فتمم الله عليه النبوة، بأن أرسل إليه الملك في اليقظة، وكشف له عن الحقيقة، فكانت الأولى في النوم، وصحة ما يوحى إليه فيه توشيحًا للنبوة وابتدائها حتى أكملها الله له في اليقظة تفضلًا من الله تعالى، وموهبة خصَّه بها، والله يعلم حيث يجعل رسالاته والله ذو الفضل العظيم.
قال غيره: وتزوده - صلى الله عليه وسلم - في تحنثه يرد قول الصوفية: أن من أخلص لله أنزل الله عليه طعامًا.
والرسول، - صلى الله عليه وسلم -، كان أولى بهذه المنزلة، لأنه أفضل البشر، وكان يتزود.
وقال المهلب: قوله: تمت فغطنى - فيه من الفقه أن الإنسان يذكر وينبه إلى فعل الخير وإن كان عليه فيه مشقة.
وقال أبو الزناد: قوله: تمت فغطنى - ثلاث مرات، فيه دليل على أن المستحب في مبالغة تكرير التنبيه والحض على التعليم ثلاث مرات. وقد روى عنه - صلى الله عليه وسلم: تمت أنه كان إذا قال شيئًا أعاده ثلاثًا - ، للإفهام، وقد استدل بعض الناس من هذا الحديث، أن يؤمر المؤدب أن لا يضرب صبيًا أكثر من ثلاث ضربات.
وقوله: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} [العلق: 1] يدل على أنها أول ما نزل من القرآن.