الحمد لله الذي أذلّ عزتك، وأذهب سطوتك، وأزال مقدرتك، وأعادك إلى استحقاقك ومنزلتك، فلئن أخطأت فيك النّعمة، لقد أصابت منك النّقمة، ولئن أساءت الأيام بإقبالها عليك، لقد أحسنت بإدبارها عنك فلا أنفذ الله لك أمرا، ولا رفع لك قدرا، ولا أعلى لك ذكرا.
فهل قال أحد بئس ما صنع؟
وليس للرّاضي عن المحسن أن يطالب المساء إليه بأن يكون في مسكه [1] وعلى حال اعتدا له، لأنّ بينهما في الحال مسافة لا يقطعها الجواد المبرّ [2] ولا الريح العصوف.
وذكر محمد بن طاهر [3] عند أبي العيناء فقال: ما دخلت عليه قطّ إلا ظننت أنه من طلائع القيامة قصير القامة، مشؤوم الهامة خرج من خراسان وهو أميرها، ويطمع فيها وهو طريدها، ويلي على
(1) المسك والمسكة: العقل.
(2) الجواد المبرّ: هو الذي إذا أنف يأتنف السّير. وسئل رجل من بني أسد: أتعرف الفرس الكريم؟ قال: أعرف الجواد المبرّ من البطىء المقرف (لسان بر) .
(3) محمد بن طاهر بن عبد الله بن الحسين بن طاهر المتوفى سنة 297هـ.
ولي خراسان وأقام بها إلى سنة 258هـ حيث ظفر به يعقوب بن الليث وأسره حتى سنة 262هـ، ثم نجا إلى بغداد وأقام بها إلى أن توفي. انظر المنتظم 6/ 96.