يكون لسانه كلسان أمته أو عبده فلا يزال الدهر أسير كلمته!. ويروى أنه كان يتفقد ما يكتب به الكتّاب، فيسقط من لحن، ويحط مقدار من أتى بما غيره أجود منه في العربية وكان يقول: إيّاكم والشونيز [1] في كتبكم يعني النقط والإعجام. وقال محمد بن عبد الله ابن طاهر، وقد رفعت إليه قصة أكثر صاحبها إعجامها: ما أحسن ما كتب إلا أنه أكثر شونيزها! وكان سعيد بن حميد يقول: لأن يشكل الحرف على القارىء أحبّ إليّ من أن يعاب الكاتب بالشكل، فإذا كرهوا الإعجام والشكل فما ظنّك باللحن! إلا أن ترك ذلك قد يورث إشكالا.
حكى الماوردي [2] عن قدامة بن جعفر أن بعض كتاب الدواوين حاسب عاملا لعبيد [3] الله بن سليمان بن وهب، فشكا منه إلى عبيد الله، وكتب رقعة يحتج فيها بصحة دعواه ووضوح شكواه، فوقّع فيها عبيد الله:
«هدا هدا» فأخذها العامل وظن أن عبيد الله أراد: «هذا هذا» إثباتا لصحة دعواه، كما يقال في إثبات الشيء: «هو هو» فحمل الرقعة إلى كاتب الديوان، وأراه خط أبي عبد الله وقال: «إنه صدّق قولي وصحّح ما ذكرت! فخفي على الكاتب ذلك، وطيف به على كتّاب الدواوين، فلم
(1) الشونيز في الأصل: الحبة السوداء، انظر أخبارا متفرقة عن كره العرب للنقط والإعجام في الكتابة:
العقد: 4/ 258وما بعدها
(2) ليس الخبر في الأحكام السلطانية، والصولي يرويه بشكل آخر: انظر أدب الكتاب: 59
(3) في (ق) و (ر) عبد، والصحيح ما ذكرناه وهو عبيد الله بن سليمان بن وهب الحارثي (226 288هـ) وزير من أكابر الكتاب، استوزره المعتمد والمعتضد، وأبوه وزير وابنه وزير. الأعلام: