فهرس الكتاب

الصفحة 315 من 831

زيدٌ أفضل من عمروٍ. وإنّما أردت أن تُعلم أن زيدًا يُبتدأ في تفضيله من عمرو ويكون الانتهاء في أدنى من فيه فضل. إذ العادة أن يبتدئ التفضيل مما يقرب من الشيء ويدانيه في الصفة التي تقع فيها المفاضلة.

وزعم الكوفيون أيضًا أنّها تكون لابتداء الغاية في الزمان واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: {لِلَّهِ الاْمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ} (الروم: 4) . ألا ترى أن قبلُ وبعدُ ظرفا زمان وقد دخلت عليهما من، ومن ذلك قوله تعالى: {لَّمَسْجِدٌ أُسّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ} (التوبة: 108) . فأول يوم زمان وقد دخلت عليه من. ومن ذلك قول الشاعر:

من الصبح حتّى تغربَ الشَمسُ لا ترى

من القومِ إلاّ خارجيًّا مسّوما

فأدخل من على الصبح وهو زمان. وكذلك قول الآخر:

أتعرِفُ أم لا رسمَ دارٍ مُعَطِّلًا

من العامِ تلقاهُ ومن عامِ أوّلا

فأدخل من على العام، وهو زمان أيضًا. وقول الآخر:

كأنّهما مِلانِ لم يَتغيّرا

وقد مَر للدارَينِ من دارِنا عُصرُ

فأدخل من على الآن، وقول زهير:

لِمَنِ الديار بقُنّةِ الحَجْرِ

أقَويْنَ مِنْ حِجَجٍ ومِنْ دَهرِ

فأدخل من على حجج ودهر وهما اسما زمان.

ولما رأى الفارسي كثرةَ مجيء هذا ارتاب فيه فقال: ينبغي أن يُنظر فيما جاءَ من هذا، فإن كثر قيس عليه وإن لم يكثر تُؤوّل.

والصحيح أن هذا لم يكثر كثرة توجب القياس، بل لم يجيء من ذلك إلاّ هذا الذي ذكرناه إذ لا بال له إن كان شذ فلذلك وجب تأويل جميع ذلك على حذف مضاف، كأنه قال: من تأسيسِ أول يوم. فمن داخلة في التقدير على التأسيس وهو مصدر. وكأنه قال: من مرّ حجج ومن مرِ دهر. والمرّ مصدر يسوغ دخول مِن عليه. ومن طلوع الصبح ولذلك قابله بقوله: حتى تغرب الشمس، والطلوع مصدر. ومِن تقدُّم العام ومن تقدم عامِ أوّلَ. وكأنّه قال من بناء الآن أي ممّا بُني الآن أو أحدِثَ الآن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت