قيل: قد معه أهل المدينة في حجته ، فهم شاهدوه أيضا بمكة ونقلوا عنه ما كان منه في حجه وغيره . [78] .
فإن قيل: فإن اتفق لأهل مكة مثل خبر أهل المدينة في إجماعهم لأنهم قد شاهدوا النبي صلى الله عليه وسلم كما شاهده أهل المدينة فإذا اتفقوا على شيء من توقيف أو ما الغالب منه أن يكون على توقيف ، فهل يجب أن يقبل ذلك منهم ؟ .
قيل: إن اتفق لهم ذلك كانوا هم وأهل المدينة سواء فيما نقلوه عنه صلى الله عليه وسلم ، ولكن لا يكاد أن ينفق هذا لغير أهل المدينة في أن يكون خبرهم طرفاه كوسطه لا يتخلله أخبار الآحاد ؛ لأن أخبار غيرهم وإن نقلها جماعة يتخللها أخبار الآحاد في طرفيها أو في وسطها فخرجت بذلك عن أن تكون تواترا . وأهل المدينة يحصل لهم في فعلهم صفة التواتر ، فلهذا كان خبرهم مقدما على خبر غيرهم ، والله أعلم . [79] .
باب
القول في دليل الخطاب
ومن مذهب مالك ـ رحمه الله ـ أن دليل الخطاب محكوم به ، وقد احتج بذلك في مواضع منها حيث قا ل: (( إن من نحر هديه بالليل لم يجزه ، لقوله عز وجل: { وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ } [الحج: 26] ) )
دليله: أنه لا يجزيه إذا نحره بالليل . [81] .
وكقوله: (( من دخل الدار فاعطه درهما ) ).
دليله: من لم يدخل فلا تعطه شيئا .
وهذا نص منه في القول بدليل الخطاب .
والوجه فيه أن ينظر ـ عند ورود الخطاب بالشرط أو الصفة ـ إلى سياق الكلام وما تقدمه وما خرج عليه الخطاب ، فإن وجد دليل يدل على المسكوت عنه وبين المذكور ، صير إليه ، وإن لم [82] يوجد دليل أمضي الحكم على ما ذكر ، ثم ينظر في حكم المسكوت على سبيل ما ينظر في الحوادث التي لا نصوص فيها ، فقد يقع السؤال عن شيء على صفة فيخرج الجواب مقيدا به ، ولا يكون في ذلك دليل على مخالفة المسكوت عنه للمذكور ، كمن أقر لرجل بألف درهم ،فقيل له: إن كان له عليك ألف درهم فأخرج له منها .