ومن هنا يظهر أنه لا تلازم بين الشجاعة والجود كما ظنه بعض الناس وإن كانت الأخلاق الفاضلة تتلازم وتتصاحب غالبًا وكذلك الأخلاق الدنيئة.
وكثير من الناس تشتبه عليه الشجاعة بالقوة وهما متغايران، فإن الشجاعة هي ثبات القلب عند النوازل وإن كان ضعيف البطش، وكان الصديق - رضي الله عنه - أشجع الأمة بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان عمر وغيره أقوى منه ولكن برز على الصحابة كلهم بثبات قلبه في كل موطن من المواطن التي تزلزل الجبال وهو في ذلك ثابت القلب ربيط الجأش يلوذ به شجعان الصحابة وإبطالهم فيثبتهم ويشجعهم ولو لم يكن له إلا ثبات قلبه يوم الغار وليلته وثبات قلبه يوم بدر وهو يقول للنبي - صلى الله عليه وسلم - يا رسول الله كفاك بعض مناشدتك ربك، فإنه منجز لك ما وعدك (1) وثبات قلبه يوم أحد وقد صرخ الشيطان في الناس بأن محمدًا قد قتل ولم يبق أحد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا دون عشرين في أحد وهو في ذلك ثابت القلب ساكن الجأش وثبات قلبه يوم الخندق وقد زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وثبات قلبه يوم الحديبية وقد قلق فارس الإسلام عمر بن الخطاب حتى إن الصديق ليثبته ويسكنه ويطمئنه وثبات قلبه يوم حنين حيث فر الناس وهو لم يفر وثبات قلبه حين النازلة التي اهتزت لها الدنيا أجمع وكادت تزول لها الجبال وعقرت لها أقدام الأبطال
(1) أخرجه الطبري في تاريخه (2/ 33) فقال حدثني محمد بن عبيد المحاربي، حدثنا عبد الله بن المبارك عن عكرمة بن عمار حدثني سماك الحنفي سمعت ابن عباس يقول حدثني عمر بن الخطاب بمعناه مطولًا، وأخرجه ابن هشام في السيرة النبوية (3/ 174) ، عن شيخه ابن إسحاق بدون إسناد.