تمام التعبير عمّا يريد، وإذا عجز عن ذلك هرع إلى ناصر الدين البارزيّ ليشير عليه بآرائه النقديّة وإرشاداته التهذيبيّة كما كان يأخذ برأي تلميذه النواجيّ في كثير من نظمه، ولم يكتف ابن حجّة بتطبيق ذلك على الشعر، بل تجاوزه إلى النثر، ولهذا فقد فتح بابا في خزانته تحدّث فيه عن «التهذيب والتأديب» وخصّه بالشعر والنثر [1] .
ومن آرائه النقديّة الجيّدة محاولة تفسيره للشعر بأنّه ابن بيئته وصدى لعصره، محاولا التماس العذر للشاعر القديم عند استمداده صوره الشعرية من معطيات بيئته، سواء أكانت هذه المعطيات منسجمة مع الذوق المعاصر أم غير منسجمة. ومن آرائه النقديّة أنه أباح الاستشهاد بكلام المحدثين في علوم البلاغة من معان وبيان وبديع، بل لا يرى مانعا من الاستشهاد في ذلك بشعر المعاصرين وزجلهم ونثرهم [2] . كما يرى ابن حجّة الحمويّ أنّ ظاهرة السرقات الشعرية أصبحت من المسلّمات في عصره، فلا بدّ إذا من قبولها وإقرارها لشيوعها، ولا سيّما أن الشاعر السارق لم يعد يخجل لسرقته، بل كان أجرأ على الاعتراف بالسرقة عمّا كان عليه الشعراء الأوائل، فهذا ابن الورديّ يقول (من الوافر) :
وأسرق ما استطعت من المعاني ... فإن فقت القديم حمدت سيري
وإن ساويت من قبلي فحسبي ... مساواة القديم وذا لخيري
وإن كان القديم أتمّ معنى ... فذلك مبلغي ومطار طيري
وإنّ الدّرهم المضروب باسمي ... أحبّ إليّ من دينار غيري [3]
وقد أكثر ابن حجّة من الحديث عن السرقة، مجيزا السرقة بالمعنى دون اللفظ، كما تتبّع سرقات معاصريه وبيّنها، كسرقات ابن نباتة من الوداعيّ، وسرقات الصفديّ من ابن نباتة [4] .
ومن آرائه المصيبة في النقد أخذه بعين الاعتبار الحالة النفسيّة للمخاطب، ولا سيّما في مطلع القصيدة، إذ يقول فيه: «أوّل شيء يقرع الأسماع، ويتعيّن على ناظمه النظر في أحوال المخاطبين والممدوحين، وخطاب الملوك في حسن الابتداء هو
(1) انظر خزانة الأدب وغاية الأرب 3/ 172.
(2) انظر خزانة الأدب وغاية الأرب 1/ 314.
(3) ديوانه ص 264و «ابن حجة الحموي شاعرا وناقدا» ص 222.
(4) انظر خزانة الأدب وغاية الأرب 1/ 353.