وكان بوسع ابن حجّة أن يكثر من هذه الآراء لولا أنّ عنايته بالاستكثار من الشواهد صرفته عن التعمّق في النقد.
ومن آراء ابن حجّة النقديّة النظريّة رأيه في أنّ الدربة والمراس ودوام قراءة الأدب وحفظ الشعر لتكوين الملكة الأدبيّة، يخلق ملكة مكسوبة ترفد الملكة الأدبية الموهوبة في صناعة الأدب شعرا ونثرا، فالشاعريّة عنده لا بدّ من أن يرفدها الذوق السليم والذهن الصافي والتمييز الصحيح، وقد أورد قصّة قصيرة في خزانته تؤيّد رأيه النقديّ هذا، إذ قال: «وهنا نكتة لطيفة تؤيّد هذا النقد، اتفق أن الشيخ نور الدين علي ابن سعيد الأندلسيّ الأديب المشهور الذي من نظمه قوله [من مخلع البسيط] :
واطول شوقي إلى ثغور ... ملأى من الشهد والرحيق
عنها أخذت الذي تراه ... يعذب من شعري الرقيق [1]
لمّا ورد إلى هذه البلاد، اجتمع بالصاحب بهاء الدين زهير، وتطفّل على موائد طريقته الغراميّة، وسأله الإرشاد إلى سلوكها فقال له: «طالع ديوان الحاجريّ والتلعفريّ، وأكثر المطالعة فيهما وراجعني بعد ذلك» فغاب عنه مدة وأكثر من مطالعة الديوانين ثم اجتمع به بعد ذلك، وتذاكرا في الغراميّات، فأنشده الصاحب بهاء الدين زهير في غضون المحاضرة: «يا بان وادي الأجرع» وقال:
أشتهي أن يكمّل لي هذا المطلع، ففكر قليلا وقال: «سقيت غيث الأدمع» . فقال: والله حسن، ولكن الأقرب إلى الطريق الغراميّ أن تقول: «هل ملت من طرب معي» [2] .
وقد اتخذ ابن حجّة من هذه النكتة درسا جعله يطبّق آراءه النقدية على نفسه، فعمد إلى ديوان صفيّ الدين الحلي وديوان جمال الدين بن نباتة وأكثر من مطالعتهما ثم عمد إلى ديوان المتنبي فطالعه، حتى اكتسب من الحليّ رقّة سحره، ومن النباتيّ أحكام طريقته، كما كان لشعر المتنبي عنده أثر كبير.
ولم يكتف ابن حجّة بالموهبة والمراس والدربة لصقل الشاعريّة، بل يطلب من الشاعر أن يرجع إلى شعره بعد نظمه فينقّحه ويهذّبه مستعينا بأهل النقد والذوق، وقد طبّق هذا المبدأ على نفسه أوّلا، فقد كان ينظم البيت ثم يهدمه ثم يعيد بناءه حتى يعبّر
(1) انظر خزانة الأدب وغاية الأرب 1/ 327.
(2) خزانة الأدب وغاية الأرب 1/ 328327.