هذه زبدة البلاغة / أو ابن الصائغ لقال: هذا خاتم بهذه الصناعة، وهكذا تكون الصياغة، وماذا عسى أن أقول، ولو وفّقت لوقفت عن التقريض، وقعدت عن القول فقد أوقعني في الطويل العريض، لسان المرء ينبئ عن حجاه، وعيّ المرء يستره السكوت، لكنّي أمرت فذهلت، والأمر المهول نقيض بالذهول، وأوجب عليّ عقد المحبّة أن أمتثل فقابلت بالإيجاب والقبول، ووجدت مكان القول ذا سعة إلّا أنّ العبارة ضيّقة، والفكرة بلباس العجز متردّية على أنّها بأسباب الحوادث منخنقة، والزمن قد كادني بسهام أوتاره المصيبة ورماني بأنكاد، بعد أن كاد، وأسياف الخطوب ليس لها إلّا الجوانح أغماد، وبلد ذهني مع أنّي أصبحت ذكيّا بمداه، وسألته كفّ العنان عن الأعيان، فما قصّر عن مداه، أستغفر الله فإنّي دعوته الآن، فلم أكن بدعائه شقيّا، وأغضيت عن زلّاته حيث هداني لسيّد أراه على كلّ حال تقيّا، فهو والله إمام العصر وما تمّ إلّا التسليم، وبديع الزمان الذي جمع المحاسن، وقسمها على كلامه، فأبدع في الجمع والتقسيم، وحسنة الدهر الذي محا جميع سيّئاته،
ونظم شمل الأدب وعلمه بعد شتاته، أتبعنا الله بأفعال برّه المتعدّية، وأعان على حقوق شكره اللازمة، وأحسن في ابتدائه بالمكافأة عنّي، فقد تفاءلت من قصيدته بحسن التخلّص، ورجوت ببركة ممدوحها حسن الخاتمة بمنّه وكرمه، والحمد لله وحده، وصلّى الله على سيّدنا، محمّد وآله وصحبه وسلّم. تمّ تمّ تمّ».
هذا ما كان من تقريظ على النسخة ب، من مخطوطة الخزانة أمّا ما ورد فيها من مآخذ، فكان في الصفحتين الأولى والثانية من الجزء الأول منها قبل المتن. فما جاء في الصفحة الأولى منها هو:
«الحمد لله محلّي الشعراء بأردية الفصاحة والآلاء، وأتمّ صلاة وأسمى سلام على سيد الأعراب والأعجام وعلى آله وأصحابه الكرام، وبعد:
فإني حين ألجأتني دواعي الآداب إلى النظر إلى هذه البديعية المنسوبة لابن حجة الحموي، بادرت في استجلائها من مقرّها، وأنا حينئذ في الخلاء أشتاق إلى صنيعي اشتياق الوالد لولده، فقمت لها لما وافتني على البصر أنظر منها رأسها وعينيها وقوامها، فإذا هي أقبح من طرطبيس [1] ، فشاهدت منها العجيب، وما ليس يدّعيه أديب، فلا حول ولا قوّة إلّا بالله العليّ العظيم، ثمّ نظرت إلى تقريظ ابن حجر والدماميني، رحمهما الله تعالى، لعدم معرفتهما بالشعر قد بلغ الغاية وهو في الحضيض، وكان في معيّتنا الهمام الكامل الشيخ مصطفى البرهاني فعرضت عليه هذه البديعية والتقريظ فأجاب: إنما ذاك جزال، وهما عالمان ليسا بأديبين [2] ، ثم بعد ذلك رأيت في ظهر هذه الورقة ما كتبه عليها فأصابني من سهم كلامه سهام المنون حيث قال فيما هو يودّه أنّ ابن حجّة ذمّ أنواع الجناس وأعابها لعجزه عنها، وقال: بالله عليك يا هذا، انظر قولي في الجناس التامّ، وقد أتيت به في خمسة أبيات وهم [3] :
لا تبك إلفا نائي ... يوما ولا دارا
أقول: هذا عيب على من يعيب شيئا ويأتي بما هو أقبح منه، أمّا الأبيات فهم [4]
للحريري في مقاماته من المنسرح، وقد جعلهم من البسيط مع علمنا بشعر
(1) الطرطبيس: هي العجوز المسترخية، أو الناقة الخوارة. (اللسان 6/ 122(طرطس ) ) .
(2) وردت «بأديبان» .
(3) الصواب «وهي» .
(4) الصواب: «فهي» .