القاضي الفاضل بموجبه، وغوصا على المعاني لا يخرج الدرر إلّا كبارا، ونظما تفديه العقود بحبّاتها إجلالا له وإكبارا، ونثرا جاءت رسالاته معجزة باهرة، وآمنت الأدباء / ببلاغته الخارقة العادة، فلا كرامة للفئة الكافرة وسلاسة طبع أشهى من العذب الزلال، وسحر بيان عقد ألسنة المذعنين، وهذا هو السحر الحلال، حرس الله به ربع البلاغة في مصر وحماة، وأقام به عمود الشعر في الفسطاط، فمدّ أسبابه ومنع حماه، فأطلع كواكب ألفاظه السيّارة بفلك البراعة جواري قد نجمت، واستخدمها بين بنات فكره، فأذعنت للاستخدام وقدمت، وجلتها على الأفهام عرائس، وحلّتها من جواهر البديع بنفائس، فأنّى يقاوم ابن الرومي بعجمته هذه العربية الأنساب، أو يطمع مهيار وهو من الموالي في كفاءة هذه الفصاحة، وهي الشريفة الأحساب، فلو رآه ديك الجنّ الحمصيّ لخفض جناحه، وانتبه من سنة الغفلة مذعورا يكرّر صياحه، ويحقّق أن العرف شاهد بفضيحة مثله، وعلم أنّ هذا الإمام هو صاحب الوقت فأذن بفضله، ولو أدركه الورّاق لطوى من صحائف حسناته ما انتشر، وأخذ البيعة على القلوب لطاعة أبي بكر ولا ينكر ذلك من عمر، ويستضاء من أفلاك نظمه ونثره بالقمرين، واهتدى في طرق البلاغة إلى حسن السيرة خلفه، فناهيك بسيرة العمرين، ولو رأى زهير رياض هذه الآداب لصوّب تصغير نفسه، أو ابن المشدّ لقام في خدمة ديوانها بعصا القلم، وفخر بذلك على أبناء جنسه، ولو رآه ابن نباتة لتوارى وظهر عجزه، ولم ينتفع بتواريه، وكسد شعره في سوق الرقيق فلا من يسومه ولا من يشتريه، على أنه لو لم يكن لهذا الإمام، أبقاه الله، إلّا هذه البديعية لكفاه فضلا، ولأوجب ذلك له في ذمّة الشكر ديونا لا تستطيع غرماء / الأفكار أن توفّها * [توفّيها] أصلا، فريدة لا يزال حاسدها في نقص، وحسنها في ازدياد، ومستعرض سطورها يجد في نفسه عظمة الملك إذا عرضت عليه بالعشيّ معانيها الجياد، حسناء أشرقت أنوارها فكاد ينظر محاسنها الأعمى، ورامت الأفكار أن تساميها، وأنّى ذلك وبنت أبي بكر «أسماه» سابقة لا تجاريها بميدان براعتها الفحول، غزالها من إشراق معانيها وميمات قوافيها غرر واضحة وحجول، ذات مقاطع لم ينسج على منوالها، ولا حاك في الصدر أن يسمح الدهر بمثالها، فمن أين للحريري أن يأتي بمثل بزّها الرفيع، وهيهات هيهات أن يصل إلى مثل وشيها البديع كأنّما سطورها درجات يتسنّم فيها إلسان الناظر إلى بديع الطباق، أو طرق تسافر فيها اللحظات إلى حدائق الأدب لا
على الأرجل بل على الأحداق، قد نشر في علم البديع علمها فما انطوى، وتطلّعت من بيوتها سكّان المعاني كأنّها تنظر من ميمات الرويّ في كوى، وكأنّما تلك الميم نغر صدر عن منهل الفصاحة رويّا، أو خاتم طبع به على ما في تلك البيوت من ذخائر الأدب / وأحسن بها حليّا، أو هالة بدر طلع في فلك البراعة، أو عروة تمسّك بها رجال هذه الصناعة، أو عين تحدّق إلى وجوه المعاني الحسان، أو تفجّر من ينابيع البلاغة بما يحلّي اللسان، أو مشكاة سطعت في كلّ بيت أنوارها، أو جام دارت به راح الأدب، فلذّ إسكارها، فحيّا الله بديعيّة أسرت الأقلام لتقريظها، فحبّرت الطروس، ورأت أن هذا مقام يطلب فيه الأدب، فسعت على الرؤوس، قد نفحت في ألفاظها أرواح معان لو عارضها ابن ممّاتي للقي شدّة الممات، وأخرجت من بحر البسيط دررا لو وازنها المعرّي لخاض من عماه في بحر الظلمات، ودقّت معانيها فجلّ ما فتح لها في أبواب البديع من المزايا، وجهّزت جيش البلاغة فلا تعبأ بالحلّيّ، ولو انتصر من أبيه بسرايا، فكيف بقاء الصفيّ المذكور بكدره، أو الأعمى مع فساد نظره، أو العزّ الموصليّ، وقد باء بالذلّ لتعقيد تركيبه وقلقه، وقيّدت سلاسل حروفها إلى مصرعه، وكانت ميم الرويّ غلّا لعنقه، هذا ولو شاهدها الخليع لتمزّق في حبّها، أو الببغاء لسقط على نقط سطورها يلتقط من حبّها، أو ابن اللبّانة، لقال:
هذه زبدة البلاغة / أو ابن الصائغ لقال: هذا خاتم بهذه الصناعة، وهكذا تكون الصياغة، وماذا عسى أن أقول، ولو وفّقت لوقفت عن التقريض، وقعدت عن القول فقد أوقعني في الطويل العريض، لسان المرء ينبئ عن حجاه، وعيّ المرء يستره السكوت، لكنّي أمرت فذهلت، والأمر المهول نقيض بالذهول، وأوجب عليّ عقد المحبّة أن أمتثل فقابلت بالإيجاب والقبول، ووجدت مكان القول ذا سعة إلّا أنّ العبارة ضيّقة، والفكرة بلباس العجز متردّية على أنّها بأسباب الحوادث منخنقة، والزمن قد كادني بسهام أوتاره المصيبة ورماني بأنكاد، بعد أن كاد، وأسياف الخطوب ليس لها إلّا الجوانح أغماد، وبلد ذهني مع أنّي أصبحت ذكيّا بمداه، وسألته كفّ العنان عن الأعيان، فما قصّر عن مداه، أستغفر الله فإنّي دعوته الآن، فلم أكن بدعائه شقيّا، وأغضيت عن زلّاته حيث هداني لسيّد أراه على كلّ حال تقيّا، فهو والله إمام العصر وما تمّ إلّا التسليم، وبديع الزمان الذي جمع المحاسن، وقسمها على كلامه، فأبدع في الجمع والتقسيم، وحسنة الدهر الذي محا جميع سيّئاته،
ونظم شمل الأدب وعلمه بعد شتاته، أتبعنا الله بأفعال برّه المتعدّية، وأعان على حقوق شكره اللازمة، وأحسن في ابتدائه بالمكافأة عنّي، فقد تفاءلت من قصيدته بحسن التخلّص، ورجوت ببركة ممدوحها حسن الخاتمة بمنّه وكرمه، والحمد لله وحده، وصلّى الله على سيّدنا، محمّد وآله وصحبه وسلّم. تمّ تمّ تمّ».