بين قلبي وبين قلبك إلفة ... اشبهت رقة النسيم ولطفه
من وعاها بسمعه أدركته ... هزّة واعترته في الحال خفة
ولقد زادت المودة حسنا ... حشمة إن دنا المزار وعفة
إن هذا النسيم ما زال يأتي ... كلما هبّ من لديك بتحفة
انت كالروح في المكانة عندي ... فهو في كفة وأنت بكفة
بك يا قرة النواظر حقا ... لاح بدر السرور من غير كلفة
فاهتز من الطرب عطفه، وأفرط في الرقة حتى كاد يمكنني رشفه، وبلغ من الحسن مبلغا عظيما يعجزني وصفه، فلما صحا من تلك النشوة قال: أقسم بالله إنك سلوة وأي سلوة، وأمرني بالمسير معه، وبشرني أن الناس في سكون ودعة، وأن الأحوال فيها بحمد الله متبعة، كما قال بعضهم:
وذكرني عهدا وما كنت ناسيا ... ولكنه تجديد ذكر على ذكر
فقلت له في الحال: سمعا وطاعة، ومن ذا الذي لا يستجيب الى البشرى بوقاعة، ولكن قد عرفت ما ألحق فيه من دخول جبلة، والمسؤول منك طول المهلة، وأنا آتيك على حين غفلة، وما هذا بخلا بالحياة فإن السماحة بها في رضاك سهلة، فلم نشعر إلا وقد وصل الراعي إلينا وأملى بقية الأبيات الذي له علينا فقال:
قالوا غدا تأتي ديار الحما ... وينزل الركب بمغناهم
وكل من كان محبا لهم ... أصبح مسرورا بلقياهم
قلت فلي ذنب فما حيلتي؟ ... بأي عذر أتلقّاهم
قالوا أليس العفو من شأنهم ... لا سيما عمّن تولاهم
فتفاءلت بهذا الفأل السعيد، وكان هذا البيت عندي بيت القصيد، وتلوت عند سماعه: وهدوا الى الطيب من القول وهدوا الى صراط الحميد، وعلمت أنه من حسن الخاتمة، ورأيت به ثغور السعادة باسمة، وبشّرت نفسي بكل الأمنية، ودخلت معه الى غرف من فوقها غرف مبنية، تشبيها بجنة الحسن، وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، فإن لم أكن قد دخلت الجنة قد دخلت أختها، وأقسم بسلفه الصالح لقد اعتقدت أني في سدرة المنتهى.
أماني من ليلى حسان كأنما ... سقتني بها ليلى على ظمأ بردا
مني إن يكن حقا تكن أحسن المنى ... وإلا فقد عشنا بها زمنا رغدا
وأقمت لديه أكثر من سنة، وأنا أظن من السلوان أني في سنة لا أعرف من الكلام إلا أهلا ومرحبا وسهلا، ولا يعتقد أهلي إلا أني قد لحقت بالملأ الأعلى، فقلت: