ما كان ذكر المنحنا طعمه ... مثل فجاج النحل لولا هم
كم قد أضفناهم الينا وكم ... وكم على الضم بنيناهم
تلقى هدايانا اليهم متى ... سارت بها الريح هداياهم
كم بالايادي ابتدونا وكم ... والله والله ابتديناهم
لهم علينا نعم جمّة ... تالله لا نجحد نعماهم
يا ليتنا بالقول إذ لم يكن ... يسعدنا الفعل جزيناهم
وحرمة الودّ الذي بيننا ... وبينهم ما إن نسيناهم
فلما سمع هذا الصوت، نظر إلي نظر المغشي عليه من الموت، ثم إني سألته عن بني أبيه، فتلا علي قوله تعالى: {لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ} وما زال يذرف من شؤونه، ويتساقط اللؤلؤ الرطب من عيونه،
فاذا المسألة الأولى قد عادت كما بدأت، وإذا كؤوس الجفون من الدموع قد ملئت، فما أدري أي الليالي أغرب، ولا من أي شيء منها أعجب، هل من المنثورة من عينيه وكلامه، أم من المنظومة التي يجلوها عند ابتسامه، فذكرت عند ذلك قول البحتري، وهذه الرواية صادقة لم أكن لها بالمفتري:
ولما التقينا والتقى موعد لنا ... تعجب رائي الدر منّا ولا قطه
فمن لؤلؤ يجلوه عند ابتسامه ... ومن لؤلؤ عند الحديث يساقطه
فلما سمع ذلك الراعي الشيطان المريد، قال اسمعوا هذا العقد الفريد، فانه لا يصلح إلا لمثل هذا الجيد:
إنّا على ما سرّنا منهم ... وساءنا والله نهواهم
لا نعرف الحق ولا بعضه ... إن نحن في الأعراض لمناهم
قد ألفوا الأعراض عنّا وما ... كذلك كنّا قد عهدناهم
حاشاهم أن يجتنى منهم ... حتى التجني المرّ حاشاهم
عقودهم والزهر والزهر قد ... أضحت سواء وثناياهم
جلّوا عن المدح فماذا عسى ... نقول فيهم إن مدحناهم
بالبدر والنجم وشمس الضحى ... نظلمهم إن نحن قسناهم
نستعمل الايجاز في وصفهم ... فغاية الوصف هم ما هم
فقال يا عجباه من هذا الراعي البوال على عقبيه فما والله كان يخطر ببالي أن ذلك يخرج من بين شفتيه، ولا شك أن المرء بأصغريه ولقد أدركت في بدني خفة، وحصلت بين قلبي وبين السرور إلفة، وطلع لي بدر الأنس بغير كلفة فقلت له: قد جئت بتورية من غير شعور، فإن الكلفة قد عزمت من شأن البدور فتبسم ضاحكا وقال: ما برحت في نهج البلاغة سالكا ولا زمّة الفصاحة مالكا فانظم هذه الظريفة واجعلها في أبيات لتكون على السمع خفيفة فقلت مخترعا ولأمره مستمعا:
بين قلبي وبين قلبك إلفة ... اشبهت رقة النسيم ولطفه
من وعاها بسمعه أدركته ... هزّة واعترته في الحال خفة
ولقد زادت المودة حسنا ... حشمة إن دنا المزار وعفة
إن هذا النسيم ما زال يأتي ... كلما هبّ من لديك بتحفة
انت كالروح في المكانة عندي ... فهو في كفة وأنت بكفة
بك يا قرة النواظر حقا ... لاح بدر السرور من غير كلفة
فاهتز من الطرب عطفه، وأفرط في الرقة حتى كاد يمكنني رشفه، وبلغ من الحسن مبلغا عظيما يعجزني وصفه، فلما صحا من تلك النشوة قال: أقسم بالله إنك سلوة وأي سلوة، وأمرني بالمسير معه، وبشرني أن الناس في سكون ودعة، وأن الأحوال فيها بحمد الله متبعة، كما قال بعضهم: