الصفحة 35 من 251

ولا يجوز أن نستطيل الزمان، فقد ظلت أوروبا ـ في العصور الوسطى ـ تلاحقنا بحملاتها مائتى سنة، وهلك منا نحن المسلمين خلق كثير، ولكن النبات آتى ثمراته الحلوة، فارتدت الذئاب مدحورة، وسلم لنا ديننا، وسلمت لنا بلادنا، ولقى المعتدون العقاب الذى يستحقون. وعلى هدى هذا الكلام ندرك الخطل فيما رواه مؤلف"الجزائر الثائرة"من آراء لبعض الثائرين، لا تعطى صورة صحيحة عن الواقع:"سألت بعض الجزائريين عن مدى علاقة الإسلام بالكفاح القائم، فأكدوا لى أن الحرب التى يشنها الشعب الجزائرى على الاستعمار الفرنسى إنما تجد عاملها المحرك فيما فرضه الاستعمار من أوضاع اضطرتهم إلى حمل السلاح. وإن ما بسطته فرنسا عليهم من سيطرة تامة، وما أوقعته بهم من ظلم وضيم في كل مكان، حملهم على مواجهة ذلك العنف الذى كانوا ضحية له منذ سنين طوالا بعنف آخر، وإن هدفهم الأوحد أن يتولوا زمام أمورهم، ويقرروا بأنفسهم الأسس المنظمة لوجودهم الجماعى، وأن سلوكهم سبيل الكفاح له غايات تحررية، فهو عمل سياسى لا غير". يعنى بذلك أن الثورة ليست حربا دينية، وأن التعصب للإسلام ليس هو الذى يشعلها. يقول الكاتب الفرنسى:"إنى أميل إلى الأخذ بهذا الرأى، إذ ليس الكفاح القائم صراعا بين الإسلام والمسيحية- هذا على الرغم من أن المسيو"جورج بيدو"وزير خارجية فرنسا عمل المستحيل لخلق فتنة من هذا القبيل، عندما أعلن على الملأ، وفي مناسبات عدة: أنه يجب ألا يسمح للهلال بالتغلب على الصليب، فهو ليس نضالا بين دين وآخر، كما أنه ليس حربا بين جنس وجنس آخر، أو بين مدينة وأخرى أو بين الشرق والغرب، بل هو كفاح مجتمع مظلوم، ضد المجتمع الذى أوقع عليه هذا الظلم، وثورة هذا المجتمع على السيطرة والاستغلال اللذين كان عرضة لهما حتى اليوم. وإذن فإن الحرب في شمالى أفريقيا ليست حربا دينية، ولا حربا بين جنسين، وإنما هى حركة تحرر بحت، وسواء أكان الجزائرى المسلم من العرب، أم من البربر، فإنه لا يلجأ في محاربتنا إلى استخدام عامل الدين، أو عامل الجنس، إن مشكلاته تشبه مشكلاتنا، وعندما يطلب وسائل مادية تمكنه من الحياة، ويعلن رغبته في الحصول على ص_034"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت