الصفحة 31 من 251

كانت سلطة ديوان التحقيق أو محاكم التفتيش هذه مطلقة لا حد لبطشها ولا لجبروتها في كل الأعم التى قامت فيها، لكنها في أسبانيا ـ حيث كثر المسلمون ـ كان أفظع منها في أى دولة أخرى. وبلغ المنفيون من أرضهم في بلاد الأندلس مليونى يهودى، وثلاثة ملايين مسلم، أما عدد الذين أعدموا والذين سجنوا والذين عذبوا في معتقلاتهم فقد كانوا مئات الألوف. ويقرر التاريخ أن هؤلاء المسلمين كانوا نخبة أهل الأ ندلس مقاما، وأمهرهم صناعة، وأغزرهم علما، وكان ما حدث لهم سببا من أسباب النكسة التى أصابت الحضارة في ذلك العصر. وما يعنى الصليبية من ازدهار الحضارة أو اندثارها؟ إن الذى يعنيها أولا وأخرا هو التنفيس عن سخائمها الوبيلة، تلك السخائم التى التقت فيها وحشية الجنس بوحشية المبدأ، والتى جعلت قتل عداها إجابة لشهوات النفس، وسيلة لمرضاة الله (!) في وقت واحد .. وقد تم إفناء المسلمين في"أسبانيا"بهذه الأساليب، واستراحت الصليبية بعد ما خلا لها الجو!! وهى اليوم تكرر المأساة القديمة في"الجزائر"، غاية ما هنالك أن محاكم التفتيش كانت السلطات الرسمية تعقدها وتقدم المتهمين إليها، أما الفرنسيون الذين استوطنوا الجزائر، فهم يكونون المحاكم من تلقاء أنفسهم، ثم يصدرون أحكام ا لإعدام وينفذونها.

دم لا ثمن له .. فقد حدث في أعقاب الحرب العالمية الثانية أن ثار الجزائريون مطالبين بحريتهم. ففى 8 مايو سنة 1945 تبودل إطلاق النيران في"سطيف"بين المتظاهرين والبوليس الفرنسى أثناء العرض الذي أقيم احتفالا بالانتصار في الحرب، وأعلنت الأحكام العرفية على أثر ذلك، وأقبل الطراد"ديجواى- تروان"، فأمطر مدينة"خزاطة"وابلا من قنابله الثقيلة، وقامت قوات الجيش بالحملات التأد يبية، وشنق الوطنيين من غير محاكمة، ورأت الحكومة أن تلزم الصمت بإزاء هذه الحوادث، وأوفدت لجنة للتحرى سرا عن أسباب المظاهرات ومصدرها، بيد أنها لم تلبث أن أصدرت الأوامر بوقف أعمال اللجنة بعد مضى ثمان وأربعين ساعة من بدئها. ص_030

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت