الصفحة 21 من 30

وانتصاب (أَيْضا) فِي الْمِثَال الْمَذْكُور لَيْسَ على الْحَال من ضمير (قَالَ) كَمَا توهمه جمَاعَة من النَّاس فزعموا أنّ التَّقْدِير: وَقَالَ أَيْضا أَي: رَاجعا إِلَى القَوْل. وَهَذَا لَا يحسن تَقْدِيره إلاّ إِذا كَانَ هَذَا القَوْل إنّما صدر من الْقَائِل بعد صُدُور القَوْل السَّابِق حَتَّى يَصح أنْ يُقَال: إنّه قَالَ رَاجعا إِلَى القَوْل بَعْدَمَا فرغ مِنْهُ، وَلَيْسَ ذَلِك بِشَرْط فِي اسْتِعْمَال (أَيْضا) ، أَلا ترى أنّك تَقول: قلتُ اليومَ كَذَا، وَقلت أمسِ أَيْضا. وَكَذَلِكَ تَقول: كتبت اليومَ، وكتبت أمسِ أَيْضا. وَالَّذِي يظْهر لي أنّه مفعول مُطلق حُذِف عَامله أَو حَال حُذِف عاملها وصاحبها، وَذَلِكَ أنّك قلت: وَقَالَ فلَان، ثمَّ استأنفت جملَة فَقلت: ارْجع إِلَى الْأَخْبَار (1) رُجُوعا وَلَا اقْتصر على مَا قدَّمت، فَيكون مَفْعُولا مُطلقًا. أَو التَّقْدِير: أخبر أَيْضا أَو أحكي أَيْضا، فَيكون حَالا من ضمير الْمُتَكَلّم، فَهَذَا هُوَ الَّذِي يسْتَمر فِي جَمِيع الْمَوَاضِع. وَمِمَّا يؤنسك بِمَا (2) ذكرته من أنّ الْعَامِل مَحْذُوف أنّك تَقول: (عِنْده مالٌ وَأَيْضًا علمٌ) فَلَا يكون قبلهَا مَا يصلح للْعَمَل فِيهَا، فَلَا بُدَّ حِينَئِذٍ من التَّقْدِير. وعَلى ذَلِك قَالَ الشاطبي (3) - رَضِي الله عَنهُ - وَقد ذكر أنّه لَا يدغِم الْحَرْف إِذا كَانَ (4) تَاء مُتَكَلم أَو مُخَاطب أَو منوَّنًا أَو مشدَّدًا: ككنتُ تُرَابا أنْتَ تُكْرِهُ واسعٌ عليمٌ وَأَيْضًا تَمَّ مِيقاتُ مُثِّلا (5) قَالَ أَبُو شامة (6) - رَحمَه الله - قَوْله: (أَيْضا) أيْ أمثل النَّوْع الرَّابِع وَلَا

(1) أ: أَخْبَار.

(2) ب: يشْهد لما.

(3) مُحَمَّد بن أَحْمد الْمُقْرِئ النَّحْوِيّ اللّغَوِيّ، ت 614 هـ (معرفَة الْقُرَّاء، غَايَة النِّهَايَة 2 / 67، شذرات الذَّهَب 5 / 61) .

(4) سَاقِطَة من ب.

(5) حرز الْأَمَانِي وَوجه التهاني (سراج الْقَارئ) ص 34.

(6) ب: ابْن، وَأَبُو شامة هُوَ شهَاب الدّين عبد الرَّحْمَن بن إِسْمَاعِيل الْمَقْدِسِي، أشهر كتبه: إبراز الْمعَانِي والمرشد الْوَجِيز وَكتاب الروضتين فِي أَخْبَار الدولتين، ت 665 هـ. (تذكرة الْحفاظ 146، طَبَقَات الشَّافِعِيَّة 8 / 165، فَوَات الوفيات 2 / 269) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت