(9) - [-10] وَحَدَّثُونَا عَنْ شَرِيكٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، عَنْ مُرَّةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: هِيَ النَّخْلَةُ
قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: وَثَمَرَةُ النَّخْلَةِ سَيِّدُ كُلِّ ثَمَرَةٍ، وَكَذَلِكَ ثَمَرُ الرُّمَّانِ. وَقَالَ قَوْمٌ: لا عِلْمَ لَهُمْ بِكَلامِ الْعَرَبِ: لَيْسَ النَّخْلُ وَلا الرُّمَّانُ مِنَ الْفَاكِهَةِ حِينَ سَمِعُوا قَوْلَ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ: {فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ} فَغَلِطُوا، وَإِنَّمَا أَفْرَدَهُمَا اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، تَفْضِيلا لَهُمَا، ذَكَرَهُمَا فِي الْجُمْلَةِ ثُمَّ أَفْرَدَهُمَا تَفْضِيلا، كَمَا قَالَ: {مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ} تَفْضِيلا لَهُمَا عَلَى سَائِرِ الْمَلائِكَةِ. وَكَمَا قَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ} ، فَأَجْمَلَ النَّبِيِّينَ، ثُمَّ قَالَ: {وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ} ، فَأَفْرَدَهُمْ تَفْضِيلا لَهُمْ عَلَى سَائِرِ الأَنْبِيَاءِ. قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: جِبْرِيلُ وَمِيكَالُ مِنْ صَفْوَةِ الْمَلائِكَةِ، وَمِنْ صَفْوَةِ الرُّسُلِ، قَالَ اللَّه جَلَّ وَعَزَّ: {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلا وَمِنَ النَّاسِ} ، وَهَؤُلاءِ الْخَمْسَةُ الأَنْبِيَاءُ مِنَ الْمُصْطَفِينَ. وَقَالَ جَلَّ وَعَزَّ: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ 1} مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ {2} ق فَأَجْمَلَ ثُمَّ أَفْرَدَ: ف وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ {4} وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ {5} .قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: هَذَا تَفْضِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ لِلنَّخْلَةِ، جَعَلَهَا مَرَّةً مَخْلُوقَةً مِنْ طِينَةِ آدَمَ، تَفْضِيلا لَهَا، كَمَا فَضَّلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم جَعْفَرًا حِينَ قَالَ: إِنَّهُ مَخْلُوقٌ مِنْ طِينَتِي، وَمَرَّةً قَابَلَ بِهَا قَوْلَ (لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ) ، وَهِيَ أَفْضَلُ كَلِمَةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِينَ. وَأَجْمَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، الْفَاكِهَةَ ثُمَّ أَفْرَدَهَا وَالرُّمَّانَ، كَمَا أَفْرَدَ صَفْوَةَ الْمَلائِكَةِ وَصَفْوَةَ الرُّسُلِ بَعْدَ أَنْ أَجْمَلَهُمْ. وَقَرَنَ الرُّمَّانَ بِالنَّخْلِ؛ لأَنَّهُ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ:"إِنَّ فِي كُلِّ رُمَّانَةٍ حَبَّةً مِنَ الْجَنَّةِ".وَمِمَّا يَدُلُّ أَنَّ النَّخْلَ مِنَ الشَّجَرِ قَوْلُ جُعْثُمَةَ الْبَكَّائِيِّ، وَكَانَ يُخَافُ عَلَيْهِ فِي خَرْصٍ لِنَخْلٍ لَهُ:
إِذَا كَانَ هَذَا الْخَرْصُ فِيكُنَّ دَائِمًا ... فَأَبْعَدَكُنَّ اللَّهُ مِنْ نَخَلاتِ
فَأَخْبَثُ طَلْعٍ طَلْعُكُنَّ لأَهْلِهِ ... وَأَنْكَدُ مَا خَبَرْتُ مِنْ شَجَرَاتِ
وَكَانَتْ أُمُّ الْهَيْثَمِ الأَعْرَابِيَّةُ، وَاسْمُهَا غَنِيَّةُ، تُنْشِدُ:
إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيكُنَّ ظِلٌّ وَلا جَنْيٌ ... فَأَبْعَدَكُنَّ اللَّهُ مِنْ شِيَرَاتِ
تُرِيدُ: مِنْ شَجَرَاتٍ، إِلا أَنَّ لُغَتَهَا أَنْ تُبْدِلَ الْجِيمَ يَاءً وَتَكْسِرَ الشِّينَ، فَتَقُولُ: شِيَرَةٌ. فَقُلْتُ لَهَا: كَيْفَ التَّحْقِيرُ؟ فَقَالَتْ: شُيَيْرَةٌ. وَقَالَتْ: بِالطَّائِفِ شُيَيْرَةٌ فِيهَا شِفَاءٌ مِنْ سَبْعِينَ دَاءً تُسَمَّى: الشُّكَاعَى. وَقَالَ ابْنُ أَحْمَرَ الْبَاهِلِيُّ:
شَرِبْتُ الشُّكَاعَى وَالْتَدَدْتُ أَلِدَّةً ... وَأَقْبَلْتُ أَفْوَاهَ الْعُرُوقِ الْمَكَاوِيَا
وَمِمَّا كَرَّمَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِهِ أَهْلَ الإِسْلامِ، وَكَرَّمَ بِهِ النَّخْلَ، أَنَّهُ قَدَّرَ جَمِيعَ نَخْلِ الدُّنْيَا لأَهْلِ الإِسْلامِ، فَغَلَبُوا عَلَيْهِ وَعَلَى كُلِّ مَوْضِعٍ فِيهِ نَخْلٌ، وَلَيْسَ فِي بِلادِ الشِّرْكِ مِنْهُ شَيْءٌ. وَحَدَّثَنِي الأَصْمَعِيُّ، عَنِ النَّمِرِ بْنِ هِلالٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي الْجَلِدِ، وَكَانَ قَدْ قَرَأَ الْكُتُبَ، قَالَ: الأَرْضُ كُلُّهَا أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفَ فَرْسَخٍ، فَالسُّودَانُ مِنْهَا اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ فَرْسَخٍ، وَالرُّومُ ثَمَانِيَةُ آلافٍ، وَالْفُرْسُ ثَلاثَةُ آلافٍ، وَالْعَرَبُ أَلْفٌ. فَلَيْسَ فِي بِلادِ السُّودَانِ كُلِّهَا وَلا بِلادِ الْبِيضَانِ الْمُشْرِكِينَ شَيْءٌ مِنَ النَّخْلِ. وَالسُّودَانُ: الْحَبَشُ، وَالزَّنْجُ، وَالنُّوبَةُ، وَالْفزَّانُ، وَضُرُوبٌ كَثِيرَةٌ، حَتَّى سُودَانُ الْمَغْرِبِ الَّذِينَ خَلْفَ تَاهَرْتَ فِي بِلادِ حَرٍّ، يُقَالُ لَهُمُ: الْكوكو، ثُمَّ خَلَفَهُمُ الْبُكْمُ مِنَ السُّودَانِ: قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ وَلا يُفْقَهُونَ. وَأَمَّا الرُّومُ فَمِنْهُمُ الصَّقَالِبَةُ، وَالإبرُ، وَالْفِرِنْجَةُ، وَالْخَزَرُ، وَأَلْوَانُ التُّرْكِ وَأَلْوَانُ الْبِيضَانِ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ. وَكَذَلِكَ الْهِنْدُ إِلَى أَقْصَى الصِّينِ وَخَلْفَ الصِّينِ مَسِيرَةَ سَنَةٍ وَأَكْثَرَ. حَدَّثَنَا مَنْ وَطِئَ ذَلِكَ أَجْمَعَ وَسَارَ نَحْوًا مِنْ سَنَةٍ مِنْ مَاءٍ عَذْبٍ يُؤَدِّيهِ مُلْكٌ إِلَى مُلْكٍ، قَالَ: وَرَأَيْتُ عِنْدَهُمْ مِنَ الأَرُزِّ شَيْئًا مِثْلَ نَوَى الْقَرِيثَاءِ يَتَّخِذُونَ مِنْهُ أَجْوَدَ / قَبَاطٍ وَأَحِلاءِ، وَذَكَرَ كَثْرَةَ الْمَوْزِ فِي بُلْدَانِهِمْ. وَإِنَّمَا النَّخْلُ قَدَّرَهُ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ لِلْعَرَبِ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ وَفِي الْمَشْرِقِ، وَمِنْهُ شَيْءٌ فِي الْمَغْرِبِ، وَأَكْثَرُهُ فِي الْعِرَاقِ. فَالَّذِي بِالْمَغْرِبِ بِإِفْرِيقِيَّةَ عَلَى خَمْسِ لَيَالٍ، مِنْهَا بِمَوْضِعٍ يُقَالُ لَهُ: قَصْطِيلِيَةَ ثُمَّ حَتَّى يَبْلُغَ وَادِيَ طيبٍ بِقُرْبِ مِصْرَ، وَادٍ فِيهِ مَسِيرَةُ أَيَّامٍ كَثِيرُ النَّخْلِ، وَيُقَالُ: مَسِيرَةُ شَهْرٍ وَأَكْثَرُ. وَأَصْلُهُ مِنْ نَوًى سَقَطَ ثَمَّ، فَالْبَرْبَرُ وَمَنْ حَوْلَهُ يَعِيشُونَ مِنْهُ، وَلا يُلْقَحُ، فَيَأْكُلُونَهُ وَتَأْكُلُهُ دَوَابُّهُمْ وَإِبِلُهُمْ وَيُلْبِنُونَهُ، فِي كُلِّ لَبِنَةٍ أَرْطَالٌ كَثِيرَةٌ، وَيَبِيعُونَهُ. ثُمَّ بِمِصْرَ مِنَ النَّخْلِ شَيْءٌ يَسِيرٌ إِلَى الْقَلْزَمِ، ثُمَّ بِالشَّامِ بِالْغَوْرِ نَخْلٌ كَثِيرٌ بِبَيْسَانَ وَالطَّبَرِيَّةِ وَالْغَوْرِ، فَإِنَّ بِهِنَّ أَدْغَالا كَثِيرَةً فَائِقَةً يُحْمَلُ مِنْهُنَّ إِلَى الْخُلَفَاءِ، وَكُلُّهُنَّ فِي بُقْعَةٍ، قَرِيبٌ بَعْضُهُنَّ مِنْ بَعْضٍ، ثُمَّ لَيْسَ بِالشَّامَاتِ وَلا الْجَزِيرَةِ شَيْءٌ مِنْهُ. ثُمَّ فِي بِلادِ الْيَمَنِ، فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ إِلَى عُمَانَ وَنَوَاحِيهَا نَخْلٌ كَثِيرٌ، ثُمَّ فِي جَبَلَيْ طَيِّئٍ نَخْلٌ كَثِيرٌ جِدًّا، وَإِذَا شَارَفْتَ الْكُوفَةَ وَبَغْدَادَ إِلَى حُلْوَانَ، ثُمَّ مِنَ الْقَلْزَمِ إِلَى الْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ وَمَا حَوْلَهُمَا نَخْلٌ كَثِيرٌ إِلَى بِلادِ هُذَيْلٍ. ثُمَّ مِنْ مَكَّةَ إِلَى ذَاتِ عِرْقٍ إِلَى مَرَّانَ إِلَى الْقَرْيَتَيْنِ، إِلَى النِّبَاجِ، إِلَى الْيَمَامَةِ إِلَى بِلادِ بَنِي سَعْدٍ إِلَى وِبَارِ الرَّمْلِ إِلَى قَبَائِلِ بَنِي تَمِيمٍ فِي الْبَدْوِ وَقَبَائِلِ قَيْسِ عَيْلانَ. ثُمَّ إِلَى الْبَحْرَيْنِ هَجَرَ وَالْقَطِيفِ وَبِلادِ الْيَمَامَةِ، نَخْلٌ كَثِيرٌ جِدًّا، وَحَوَالَيْ بِلادِهَا نَخْلٌ كَثِيرٌ لِبَنِي نُمَيْرٍ وَبَنِي قُشَيْرٍ، وَلِبَاهِلَةَ وَلِبَنِي ضَبَّةَ وَبَلْعَنْبَرَ وَلِبَنِي سَعْدٍ فِي تِلْكَ الرِّمَالِ وَحَوَالَيْهَا نَخِيلٌ كَثِيرَةٌ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ، وَلَيْسَ بَيْنَ الْيَمَامَةِ وَصَنْعَاءَ إِلا مَسِيرَةُ أَيَّامٍ يَسِيرَةٍ، إِلا أَنَّ طَرِيقَ بَيْنِهِمَا وَعْرٌ مُخَوِّفٌ. ثُمَّ بِعُمَانَ نَخْلٌ كَثِيرٌ، ثُمَّ نَخْلُ الْبَصْرَةِ أَظُنُّهُ مِثْلَ نَخِيلِ الدُّنْيَا مِرَارًا. سَمِعْتُ الأَصْمَعِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ هَارُونَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يَقُولُ: نَظَرْنَا فَإِذَا كُلُّ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ لا يَبْلُغَانِ ثَمَنَ نَخْلِ الْبَصْرَةِ. ثُمَّ كُورُ الأَهْوَازِ بِبَعْضِهَا نَخْلٌ، وَلَيْسَ بَعْضٌ شَيْئًا. وَفَارِسُ وَكِرْمَانُ بِمَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ مِنْهُمَا نَخْلٌ، لَيْسَ بِكُلِّ مَوْضِعٍ؛ لأَنَّ كُلَّ مَوْضِعٍ يُثْلِجُ لا نَخْلَ بِهِ، ثُمَّ بِسِجِسْتَانَ نَخْلٌ كَثِيرٌ حَوْلَ الْمَدِينَةِ، وَفِي رَسَاتِيقِهَا نَخْلٌ مَسِيرَةَ أَيَّامٍ إِلا فِي جِبَالِهَا عَلَى رَأْسِ نَحْوٍ مِنْ خَمْسِينَ فَرْسَخًا مِنَ الْمَدِينَةِ، وَهِيَ زَرَنْجُ وَزَرَنْجُ قَصَبَةٌ بِسِجِسْتَانَ، فَإِنَّ الثَّلْجَ يَقَعُ بِهَا فَلا نَخْلَ لَهُمْ. ثُمَّ انْقَطَعَ النَّخْلُ بَعْدَ سِجِسْتَانَ، وَلَيْسَ بِبِلادِ خُرَاسَانَ كُلِّهَا نَخْلَةٌ، وَكَذَلِكَ أَصْبَهَانُ وَهَمْدَانُ وَالرَّيُّ وَقُومِسُ وَالْجِبَالُ كُلُّهَا، إِلا أَنَّ بِجُرْجَانَ نَخَلاتٍ لا يُنْتَفَعُ بِهِنَّ لأَنَّ جُرْجَانَ عَلَى شَاطِئِ الْبَحْرِ، وَلَكِنَّ خُرَاسَانَ وَجَمِيعَ بِلادِ الثَّلْجِ (فِيهَا) فَوَاكِهٌ عَجِيبَةٌ، وَكُرُومٌ أَلْوَانٌ وكُمَّثْرَى أَلْوَانٌ وَمِشْمِشٌ وَجَوْزٌ / وَفُسْتُقٌ وَلَوْزٌ وَأَلْوَانٌ مِنَ الْبِطِّيخِ عَجِيبَةٌ. وَمِمَّا فَضَّلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِهِ النَّخْلَ أَنَّ الْفَوَاكِهَ كُلَّهَا تَكُونُ فِي بِلادِ النَّخْلِ، وَلا يَكُونُ النَّخْلُ فِي كُلِّ بِلادِ الْفَوَاكِهِ. وَيَكُونُ الْمَوْزُ فِي بِلادِ النَّخْلِ، وَلا يَكُونُ فِي غَيْرِ بِلادِ النَّخْلِ، وَهُوَ مِنْ أَفْضَلِ الْفَوَاكِهِ. وَيُقَالُ: إِنَّ الْمَوْزَ لا نَجْوَ لَهُ، وَرُبَّ بِلادِ نَخْلٍ لا مَوْزَ فِيهَا. وَرَوَى الْكُوفِيُّونَ،