لم ينفذوا أمري فيك لأقطعنّ أيديهم. فلما رأى ابن عائشة ما ظهر من الحسن علم أنه لا بد من الذهاب، فقال له:
بأبي أنت وأمّي، أنا أمضي معك طائعا لا كارها. فأمر الحسن بإصلاح ما يحتاج إليه وركب، وأمر لابن عائشة ببغلة/ فركبها ومضيا، حتى صارا إلى البغيبغة فنزلا الشّعب [1] ، وجاءهم ما أعدّوا فأكلوا؛ ثم أمر الحسن بأمره وقال يا محمد؛ فقال له: لبّيك يا سيدي؛ قال: غنّني؛ فاندفع فغناه:
صوت
يدعو النبيّ بعمّه فيجيبه ... يا خير من يدعو النبيّ جلالا
ذهب الرجال فلا أحسّ رجالا ... وأرى الإقامة بالعراق ضلالا
وأرى المرجّي للعراق وأهله ... ظمآن هاجرة يؤمّل آلا [2]
وطربت إذ ذكر المدينة ذاكر ... يوم الخميس فهاج لي بلبالا [3]
فظللت أنظر في السماء كأنني ... أبغي بناحية السماء هلالا
-الشعر لابن المولى من قصيدة طويلة قالها وقد قدم إلى العراق لبعض أمره فطال مقامه بها واشتاق إلى بلده. وقد ذكر خبره في موضعه [4] من هذا الكتاب. والغناء لابن عائشة ثقيل أوّل بالبنصر عن حمّاد والهشاميّ وحبش. وقال الهشاميّ خاصة: فيه لحن لقراريط - فقال له الحسن: أحسنت واللّه يابن عائشة [5] ! فقال ابن عائشة:/ واللّه لا غنّيتك في يومي هذا شيئا؛ فقال الحسن: فو اللّه لا برحت البغيبغة ثلاثة أيام! فاغتمّ ابن عائشة ليمينه وندم وعلم أنّه لا حيلة له إلا المقام، فأقاموا. فلمّا كان اليوم الثاني قال له الحسن:
هات ما عندك فقد برّت يمينك، وكانوا جلوسا على شيء مرتفع، فنظروا إلى ناقة تقدم جماعة إبل، فاندفع ابن عائشة فغنّى:
تمرّ كجندلة المنجني ... ق يرمى بها السور يوم القتال
فماذا تخطرف من قلّة ... ومن حدب وإكام توالي
ومن سيرها العنق المسبطرّ والعجر فيّة بعد الكلال فقال له الحسن: ويلك يا محمد! لقد أحسنت الصنعة؛ فسكت ابن عائشة؛ ثم قال له: غنني، فغنّاه:
إذا ما انتشيت طرحت اللّجا ... م في شدق منجرد [6] سلهب
[1] لم نقف على أن الشعب اسم مكان بعينه بالبغيبغة، ولعل المراد معناه اللغوي وهو مسيل الماء في بطن من الأرض له حرفان مشرفان وعرضه بطحة رجل إذا انبطح.
[2] الآل: السراب، وقيل: الآل من الضحى إلى زوال الشمس. والسراب بعد الزوال إلى صلاة العصر.
[3] البلبال: شدّة الهم.
[4] ترجمة ابن المولى هذا في الجزء الثالث من «الأغاني» طبع بولاق ص 93.
[5] في ط: «أحسنت واللّه بابن عائشة أحسنت» .
[6] المنجرد من الجياد: القصير الشعر. والسلهب: الطويل.