ومنها:
صوت
طرق الخيال فمرحبا ... ألفا برؤية زينبا
أنّى اهتديت لفتية ... سلكوا السّليل [1] فعليبا [2]
طرب أبي جعفر الناسك لغناء ابن عائشة
أخبرني إسماعيل بن يونس قال حدّثنا عمر بن شبّة عن محمد بن سلّام قال حدّثني جرير قال:
أخذ بعض ولاة المدينة المغنّين والمخنّثين والسّفهاء بلزوم مسجد رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلّم، وكان في المسجد رجل ناسك يكنى أبا جعفر مولى لابن عيّاش بن أبي ربيعة المخزوميّ يقرىء الناس القرآن، وكان ابن عائشة يلازمه، فخلا لابن عائشة يوما الموضع مع أبي جعفر فقرأ له فطرّب ورجّع، فسمع الشيخ صوتا/ لم يسمع مثله قطّ، فقال له:
يا بن أخي، أفسدت نفسك وضيّعتها، فلو أنك لزمت المسجد وتعلّمت القرآن لأقمت [3] للناس في مسجد/ رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلّم في شهر رمضان، ولأصبت بذلك من الولاة خيرا، فو اللّه ما دخل أذني قطّ صوت أحسن من صوتك؛ فقال ابن عائشة: فكيف لو سمعت يا أبا جعفر صوتي في الأمر الذي صنع [4] له! قال وما هو؟ قال: انطلق معي حتى أسمعكه، فخرج معه إلى ميضأة [5] ببقيع [6] الغرقد عند دار المغيرة بن شعبة، وكان أبو جعفر يتوضأ عندها كلّ يوم، فاندفع ابن عائشة يغنّي:
ألآن أبصرت الهدى ... وعلا المشيب مفارقي
فبلغ ذلك من الشيخ كل مبلغ، وقال: يابن أخي، هذا حسن وأنا أشتهي أن أسمعه، ولكن لا أطلبه ولا أمشي إليه؛ قال ابن عائشة: فعليّ أن أسمعكه؛ فكان يرصده، فإذا خرج أبو جعفر يتوضأ خرج ابن عائشة في أثره حتى يقف خلف جدا الميضأة بحيث غناءه، فيغنّيه أصواتا حتى يفرغ أبو جعفر من وضوئه. فلم يزل يفعل ذلك حتى أطلقوا من لزوم المسجد.
[1] السليل: اسم لواد بعينه، كما نقله ياقوت عن العمرانيّ. وذكر صاحب «القاموس» للسليل معاني منها أنه واد واسع غامض ينبت السلم.
[2] عليب (بضم أوّله وإسكان ثانيه، هكذا ذكره سيبويه. وحكى فيه غيره عليب بكسر أوّله) : واد لهذيل بتهامة، وقيل: قرية بين مكة وتبالة. قال الزمخشريّ فيما حكاه عنه العمرانيّ: أظن أن قوما كانوا في هذا الموضع نزولا، فقال بعضهم لأبيه: عل يا أب، فسمى به المكان. وقال المرزوقيّ: كأنه فعيل من العلب وهو الأثر، والوادي لا يخلو من انخفاض وحزن. (انظر «معجم ما استعجم» للبكريّ و «معجم ياقوت» في اسم عليب) .
[3] كذا في أ، م، ء. وفي ح: «لأممت الناس» . وفي ب، س: «لأممت للناس» وكلاهما تحريف.
[4] في ح: «صيغ له» .
[5] الميضأة (القصر وقد تمد) : مطهرة كبيرة يتوضأ منها، وميمها زائدة والعامة تقول ميضة (انظر «شفاء الغليل» للخفاجي) .
[6] بقيع الغرقد: مقبرة أهل المدينة المنوّرة.