والمقصود أنَّ فضلَ الأعمال وثوابها ليس لمجرد صورها الظاهرة، بل لحقائقها التي في القلوب، والناسُ يتفاضلونَ في ذلك تفاضلًا عظيمًا. وهذا مما يحتج به من رجّح كل واحد من الصحابة على كل واحد ممن بعدهم، فإنَّ العلماء، متفقونَ على أنَّ جُملة الصحابةِ أفضلُ من جملةِ التابعين، لكن هل يفضّل كل واحد من الصحابة على كل واحد ممن بعدهم، ويفضل معاوية على عمر بن عبد العزيز؟
وذكر القاضي عياض وغيره في ذلك قولين، وأن الأكثرين يفضِّلون كل واحد من الصحابة، وهذا مأثور عن ابن المبارك، وأحمد بن حنبل وغيرهما.
ومن حُجَّةِ هؤلاء أنَّ أعمال التابعينَ وإن كانت أكثر، وعدل عمر بن عبد العزيز أظهر من عدل معاوية، وهو أزهد من معاوية، لكن الفضائلَ عند الله بحقائق الإيمان الذي في القلوب. وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: "لو أنفق أحدُكُم مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا ما بلغَ مُدّ أحدهم ولا نَصِيفَهُ".
قالوا: فنحن قد نعلمُ أنَّ أعمالَ بعض من بعدهم أكثر من أعمالِ بعضهم، لكن من أين نعلم أنَّ ما في قلبه من الإيمان أعظم مما في قلب ذلك، والنبي صلّى الله عليه وسلّم يخبر أنَّ جبل ذهب من الذين أسلموا بعد الحديبية لا يساوي نصف مُدّ من السابقين. ومعلوم فضل النفع المتعدّي بعمر بن عبد العزيز: أعطى الناس حقوقهم وعدل فيهم، فلو قُدِّر أن الذي أعطاهم ملكه، وقد تصدَّق به عليهم، لم يعدل ذلك مما أنفقه السابقون إلا شيئًا يسيرًا، وأين مثل جبل أحد ذهبًا حتى ينفقه الإنسان، وهو لا يصير مثل نصف مدّ؟