الصفحة 10 من 113

لقد كان الاهتمام بالتاريخ والعناية به أحد الوسائل التي اعتمد العرب في التأكيد على هويتهم وإبراز شخصيتهم بين الشعوب. فمنذ عصر ما قبل الاسلام كان هناك قصّاص يروون"أيام العرب [1] وأخبارها"ويحفظون"أنسابها"ويفاخرون بها بين بعضهم مع نسبة أوفى من الشعر الموضوع لتقوية تأثير القصة. وهذه ظاهرة تجلب الانتباه، ويبدو أن أسبابها تتصل بظروف العرب في صدرالإسلام. فقد كان للظروف السياسية والعوامل الجغرافية أثرها، إذ أن العصبية والتنافس بين عرب الشمال (مضر) وعرب الجنوب (يمن) كان مسؤولة بالدرجة الأولى عن مثل هذه الأخبار، ولعلها أدت إلى بعض التعصب عند نسابي عرب الشمال. وقد تكون المسافات البعيدة سببًا أعاق علماء الشمال من زيارة اليمن والحصول على معلومات مباشرة عنها، ثم إن هؤلاء الرواة الأولين هم أقرب إلى القُصاص منهم إلى المؤرخين: وهكذا وصلت إلينا روايات ضئيلة القيمة خالية من الفكرة التاريخية. ومن ناحية أخري يحتمل أن يكون لفكرة التاريخ الثابت (التقويم) لدى اليمانيين أثر في إحداث تاريخ ثابت (التاريخ الهجري) لدى المسلمين [2] .

ويرجع عدم تدوين العرب لتاريخهم في العصر الجاهلى إلى انتشار الامية في مجتمعهم القبلى وعدم معرفتهم الكتابة واضطرارهم للاعتماد على الذاكرة في حفظ الأحداث وروايتها شفهيا [3] .

(1) أنظر، الميداني: مجمع الأمثال، الباب التاسع والعشرين، ج2، ص 260، ابن قتيبة: المعارف ص 294 - 295، ابن الأثير ج1، ص 343 وما بعدها، ابن هشام: السيرة، ج1، ص 117 - 119، أبو الفرج الأصفهاني، الأغاني: 20/ 132، القلقشندي، صبح الأعشى، ج1، ص 390، جواد علي المفصل ج5، ص 333.

(2) عبد العزيز الدوري: نشأة علم التاريخ عند العرب. مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، 2005، ص 15.

(3) محمد محمد مرسي الشيخ: نشأة الكتابة التاريخية عند المسلمين. د. ت، ص 4.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت