وكان شروعه في التجارة في الكتب وطبعها في سنة 1276، فوفق لنشر الكثير منها، ومنها ما أصبح الآن في حكم المخطوطات لندرتها، منها تفسير «الدر المنثور» للجلال السيوطي في ستة مجلدات، و «إتحاف البشر في القراءات الأربعة عشر» ، و «المكرر فيما تواتر في القراءات السبع وتحرر» ، و «منار الهدى في الوقف والابتدا» . وطبع في علم الحديث «شرح القسطلاني على صحيح البخاري» ، في عشرة مجلدات، و «مسند الإمام أحمد بن حنبل» في ستة مجلدات، و «مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح» في خمسة مجلدات، و «صحيح البخاري» ، و «سنن النسائي» . وفي الفقه الشافعي «حاشية الجمل على المنهج» في خمسة مجلدات، و «شرح الروض» لشيخ الإسلام في أربعة مجلدات، و «شرح العمدة» في مجلدين، و «فتح الجواد في شرح الإرشاد» في مجلدين. وفي مذهب مالك «الخرشي على خليل» في خمسة مجلدات، و «الدسوقي على خليل» في أربعة مجلدات. وفي علم التصوف «شرح الإحياء» للزبيدي في عشرة مجلدات، إلى غير ذلك من الكتب التي لو استقصيت لطال الكلام. وذلك ولا ريب يدلك على علو همته وأن
له الفضل الكبير في سعيه في إبراز هذه الآثار إلى عالم المطبوعات، وقد خدم في ذلك العالم الإسلامي خدمة جليلة، فجزاه الله عن أعماله المبرورة ومساعيه المشكورة خيرا.
وما زال ذلك دأبه وتلك طريقته، مع كرم نفس وحسن أخلاق ويد مطلقة في سبيل البر والإحسان إلى أن توفي في مصر سادس ربيع الأول سنة 1316، رحمه الله تعالى وأمطر على جدثه صيّب العفو والرضوان.
الشيخ أحمد ابن الشيخ عقيل ابن الشيخ مصطفى بن أحمد بن عبد الله بن مصطفى العمري الشهير بالزويتيني، ينتهي نسبه على ما رأيته في عمود النسب المحفوظ لديهم إلى أبي حفص عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
ولد رحمه الله في شعبان سنة 1246، ولما ترعرع قرأ على والده وعلى الشيخ الكبير الشيخ أحمد الترمانيني وعلى الشيخ صالح الصيجلي في العثمانية. وظهرت عليه من حين نشأته أمارات النجابة والنبالة، وما زال مجدا في التحصيل عاكفا على المطالعة حتى مهر وبهر، وأجازه والده إجازة عامة صادق عليها الأستاذ الترمانيني.
وأخذ في التدريس في المدرسة الأحمدية في الفقه الحنفي وفي البهائية وفي الجامع الكبير، فأعرب عن علم جم واطلاع واسع مع حسن تقرير وفصاحة لسان يعيه كل سامع، ولا زال بعض من كان يحضر دروسه يحدث عنه ويطنب في ذلك مزيد الإطناب. وبالجملة فقد كان رحمه الله جبلا من جبال العلم وحسنة من حسنات الشهباء صارت تتيه به فخارا وتزين به جيد ذلك العصر. وكان له اليد الطولى في سائر العلوم المنقولة والمعقولة. وأما الفقه الحنفي وعلم التفسير فكان إليه فيهما المنتهى وهو المرجع في الشهباء.
تولى أمانة الإفتاء تسع سنوات، ثم لما عزل الشيخ بكري أفندي الزبري من إفتاء حلب عين بدله، وذلك سنة 1304، وبقي في هذا المنصب إلى أن توفي.
وصار متوليا على وقف المدرسة الشعبانية من سنة 1281إلى حين وفاته أيضا، وعمر في وقفه طاحونا كان خرابا واثنين وعشرين دكانا وخانين، فحسنت واردات المدرسة
وعمرت بالدروس والطلاب وقتئذ. وبعد أن تولى الإفتاء انجمع عن الناس وترك الاجتماع بهم، بل وما كان ليذهب إلى مجلس الإدارة مع أنه عضو طبيعي فيه على حسب نظامات الدولة العثمانية، وكانت ترسل إليه الأوراق فيوقع على ما شاء منها، وامتناعه عن الذهاب كان تورعا منه رحمه الله.