الصفحة 20 من 29

بين أن الأنساب كالمعادن ، فإن الرجل يتولد منه كما يتولد المعدن الذهب والفضة ، ولا ريب أن الأرض التي تنبت الذهب أفضل من الأرض التي تنبت الفضة فهكذا من عرف أنه يلد الأفاضل ، كان أولاده أفضل ممن عرف أنه يلد المفضول . لكن هذا سبب ومظنة ، وليس هو هو لازمًا ، فربما تعطلت أرض الذهب ، وربما قل نبتها ، فحينئذٍ تكون أرض الفضة أحب إلى الإنسان من أرض معطلة ، والفضة الكثيرة أحب إليه من ذهب قليل لا يماثلها في القدر .

فلهذا كانت أهل الأنساب الفاضلة يظن بهم الخير ويكرمون لأجل ذلك ، فإذا تحقق من أحدهم خلاف ذلك كانت الحقيقة مقدمة علي المظنة ، وأما ما عند الله لا يثبت علي المظان ولا على الدلائل ، وإنما يثبت على ما يعلمه هو من الأعمال الصالحة فلا يحتاج إلى دليل ولا يجتزئ بالمظنة.

فلهذا كان أكرم الخلق عنده اتقاهم ، فإذا قدر تماثل اثنين عنده في التقوى تماثلًا في الدرجة وإن كان أبو أحدهما أو ابنه أفضل من أبي الآخر أو ابنه ، لكن إن حصل له بسبب نسبة زيادة التقوى كان أفضل لزيادة تقواه .

ولهذا حصل لأزواج النبي r إذا قنتن لله ورسوله وعملن صالحًا أجران لا لمجرد المصاهرة ، بل لكمال الطاعة . كما أنهن لو أتين بفاحشة مبينة لضوعف لهن العذاب ضعفين لقبح المعصية ، فإن ذا الشرف إذا الزم نفسه التقوى ، كان تقواه أكمل من تقوى غيره ، كما أن الملك إذا عدل كان عدله أعظم ممن عدل في أهله.

ولهذا لم يثن الله على أحد في القرآن بنسبة أصلًا: لا علي ولد نبي ولا على أبي نبي ،وإنما أثني علي الناس بإيمانهم وأعمالهم . وإذا ذكر صنفًا وأثني عليهم ، فلما فيهم من الإيمان والعمل ، لا لمجرد النسب .

ولما ذكر الأنبياء - ذكرهم في الأنعام - وهم ثمانية عشر قال ) وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ((الأنعام:87)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت