ثم بين تعالي الحمة من ذلك وهي: أن يتعارف الناس حتى لا يعتزي أحد إلى غير آبائه ولا ينتسب إلى سوى أجداده ، وعلى ذلك تترتب أحكام الورثة فيحجب بعضهم بعضًا وأحكام الأولياء في النكاح فيقدم بعضهم على بعض ، وأحكام الوقف إذا خص الواقف بعض الأقارب أو بعض الطبقات دون بعض ،وأحكام العاقلة في الدية علي بعض العصبة دون بعض ، وما يجرى مجرى ذلك فلولا معرفة الأنساب لفات إدراك هذه الأمور وتعذر الوصول إليها . ا هـ . من (( نهاية الأرب في معرفة انساب العرب ) ) ( [34] )
فهذه بعض فوائد معرفة الأنساب ، وليس فيها أن التفاخر بها وتقويم القبائل علي ضوئها من التعارف الذي يحبه الله ، بل هو من العصبية التي يبغضها الله ، ولهذا جعل تعالى معيار الفضل في التقوى بعد أمره بالتعارف ،فالتعارف شيء ، والتفاخر شيء آخر ، والفرق بينهما أن الأول محبوب إلى الله والآخر ممقوت عنده .
وتأمل فقه الإمام البخاري - رحمه الله تعالي - في ذلك ، فإنه لما عقد كتاب المناقب في (( صحيحه ) ))َاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ((النساء: من الآية1) بدأه فقال:
باب قول الله تعالي:)يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ((الحجرات: من الآية13)
وقوله: )َاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ((النساء: من الآية1) وما ينهي عن دعوى الجاهلية . ا هـ .
قالا لحافظ في (( الفتح ) ) ( [35] ) : يشير غلي ما تضمنه هذه الآية من أن المناقب عند الله إنما هي بالتقوى بأن يعمل بطاعته ويكف عن معصيته .