فهرس الكتاب

الصفحة 76 من 451

الإنسان، ويدعوه إلى التجديد، واعتماد العقل في النظر والتبصّر، لذلك سخر من الخرافة التي تمسكت بها معتقدات ليست قليلة قبل الإسلام، وحرص على الربط بين العقل والإيمان وواجه المجسّمين بقوله سبحانه: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى:

11] {لََا تُدْرِكُهُ الْأَبْصََارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصََارَ} [الأنعام: 103] ، وتحدى الاثنينية [1]

والقول بالتعدد وفكرة الأقانيم. ويظهر ذلك في السور المكية.

ورد على اليهود والنصارى: {وَقََالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللََّهِ وَقََالَتِ النَّصََارى ََ الْمَسِيحُ ابْنُ اللََّهِ ذََلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوََاهِهِمْ يُضََاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قََاتَلَهُمُ اللََّهُ أَنََّى يُؤْفَكُونَ} [التوبة: 30] وغيرها من الآيات الكريمة التي ردت على هذه المعتقدات الزائغة الباطلة في حوار هادئ وجدال قائم على الإقناع والبرهان والدليل.

وهكذا زاد الإسلام البصرة تميزا في حركتها الفكرية والثقافية بما أضفاه على بيئتها من عقلية خاصة ومنهج متميز وعقيدة موحدة [2] في الوقت الذي كانت تموج في جو المجسمة والمشبهة والقائلين بالتعدد متخذا من نص القرآن الكريم والحديث المروي عن الرسول صلى الله عليه وسلم أساسا للحوار والحسم في الجدال.

وإن ذهب بعض الدارسين مثل سعيد مراد وزهدي [3] جار الله وغيرهما إلى القول بتأثر المعتزلة بما سبقهم من معتقدات ومذاهب، فنحن لا نجزم به، ولكن ليس معنى هذا أننا ننكر تسرب ثقافات هذه الأمم وبعض معتقداتها إلى المسلمين عمن أسلم منهم لأننا ذكرنا أنهم أصناف: داخل في الإسلام بحسن قصد وداخل لمآرب ووصولية وداخل بدافع الحقد والكيد. وإنما نرى ما رآه أحمد أمين في ردّه على المستشرق (فون كريمر) الذي ذكر أن فرقة المعتزلة نشأت من النصرانية من ذاك الجدل الذي وقع بين آباء الكنيسة في مسألة القدر وصفات الله تعالى. قال أحمد أمين: «لا أرى هذا الرأي بل أرى أن مسألة القدر صدرت عن المسلمين أنفسهم» [4]

(1) انظر الباقلاني، كتاب التمهيد، ص 60وما بعدها.

(2) ننبه إلى أن العقيدة الإسلامية تتفق مع العقيدة التي نادى بها أنبياء بني إسرائيل بتوحيدهم وإثبات الصفات واليوم الآخر وتنزيههم الأنبياء عن كل نقص وتتباين معها لما لحقها من تحريف في التوراة. انظر: د.

علي عبد الفتاح المغربي، الفرق الكلامية الإسلامية، ص 74وما بعدها.

(3) انظر: مدرسة البصرة الاعتزالية، ص 163وما بعدها. وكذا المعتزلة، ص 29وما بعدها.

(4) ضحى الإسلام، ج 1، ص، 344وكذا زهدي جار الله، المعتزلة، ص 41.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت