ويقيموا أركانها ويكملوها بسننها وآدابها» ثم أضاف «ويحفظوها من الإحباط باقتراف المآثم» [1] وإلى تعليل أفعال الله عز وجل على قاعدة مذهبه فقد بنى الزمخشري أن الألم لا يجوز من الله سبحانه إلا باستحقاق سابق أو لعوض أو لمصلحة من المصالح كما رأينا هذا لهم في مسألة الصلاح والأصلح، والذي يبين نزوعه إلى هذا هو تفسير للآية: {مِمََّا خَطِيئََاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نََارًا} [نوح:
25]: بيان بأن إغراقهم بالطوفان وإدخالهم النار لم يكن إلا من أجل خطيئاتهم [2] .
وهم يعتقدون أن الله تعالى لا يريد من الأفعال إلا ما أمرهم به. أن المعاصي التي تصدر منهم فهم الذين أرادوها لأن الله لا يريد ما يصدر عن الإنسان من أفعال نهى عنها كالسرقة والكذب والزنا وغيرها من الفواحش كالكفر، وما شابهها من المعاصي. ويعرف هذا بالتبعيض عندهم في المشيئة. ويمكن اكتشاف هذه الخلفية في تفسيره قوله عز وجل: {وَمََا جَعَلْنََا أَصْحََابَ النََّارِ إِلََّا مَلََائِكَةً وَمََا جَعَلْنََا عِدَّتَهُمْ إِلََّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا} [المدثر: 31] فهو يعتقد أن الله تعالى ما فتنهم بل هم الذين فتنوا أنفسهم، ولا يخفى ما في هذا من تعزيز مذهبه. قال: = فإن قلت: قد جعل افتتان الكافرين بعدة الزبانية سببا لاستيقان أهل الكتاب وزيادة إيمان المؤمنين واستهزاء الكافرين والمنافقين فما وجه صحة ذلك؟ قلت: ما جعل افتتانهم بالعدة سببا لذلك، وإنما العدة نفسها هي التي جعلت سببا وذلك أن المراد بقوله: {وَمََا جَعَلْنََا عِدَّتَهُمْ إِلََّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا} (الآية) وما جعلنا عدّتهم إلا تسعة عشر فوضع فتنة للذين كفروا موضع تسعة عشر لأن حال هذه العدة الناقصة واحد من عقد العشرين أن يفتتن بها من لا يؤمن بالله وبحكمته ويعترض ويستهزئ ولا يذعن إذعان المؤمن وإن خفي عليه وجه الحكمة» [3] .
ويثبت من طريق العقل أيضا بأن الله تعالى قادر على أن يجمع الناس على الإسلام بالقهر والإلجاء غير أن حكمته سبحانه اقتضت أن يخلقهم ليعذب من أراد
(1) م ن، ج 4، ص 159.
(2) الكشاف، ج 4، ص 164.
(3) م ن، ج 4، ص 226184.