أقدموا عليه بعد بيان حظره عليهم وعلمهم بأنه واجب الاتقاء والاجتناب. أما قبل العلم والبيان فلا سبيل عليهم كما لا يؤاخذون بشرب الخمر ولا ببيع الصاع صاعين قبل التحريم. وهذا بيان لعذر من خاف المؤاخذة بالاستغفار للمشركين قبل ورود النهي عنه. وفي هذه الآية شديدة ما ينبغي أن يغفل عنها وهي أن المهدي للإسلام إذا أقدم على بعض محظورات الله داخل في حكم الإضلال. والمراد بما يتقون ما يجب اتقاؤه بالنهي» ثم أضاف «فأما ما يعلم بالعقل كالصدق في الخبر وردّ الوديعة فغير موقوف على التوقيف» [1] ، ولا ريب في أن هذا الاستدلال يقرّ بتحسين العقل وتقبيحه وبأنه حاكم والشرع كاشف لما غمض عليه، وتابع لما يقتضيه العقل. وتحديد معنى الحسن والقبح إنما يتم بالعقل الذي يحتاج إليه وذلك أن وجوب المصلحة وقبح المفسدة متقرران فيه قبل ورود الشرع عندهم لأنهم «متفقون على أن أصول المعرفة وشكر النعمة واجبة قبل ورود الشرع، ومن أن الحسن والقبيح يجب معرفتهما بالعقل» [2] غير أن الواجبات سمعية كلها عند الأشعري، ولا يوجب العقل في مذهبه شيئا، ولا يقتضي تحسينا، ولا تقبيحا، وهو يرى [3] أن معرفة الله تعالى بالعقل تحصل، وبالسمع تجب لقوله تعالى:
{وَمََا كُنََّا مُعَذِّبِينَ حَتََّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15] ، وأنه قد يراد بهما ملائمة الطبع ومنافرته وكون الشيء كمال ونقصان فبهذا المعنيين هما عقليان كاللذّة والسرور وما يفضي إليهما أو إلى أحدهما. ومن هذه السبيل محكوم عليه بمقتضى بديهة العقل. والألم والغم وما يفضى إليهما أو إلى أحدهما محكوم عليه بالقبح أو أنه يراد بهما ما هو موجب للثواب والعقاب والمدح والذم، وهو معنى شرعي إذ التحسين والتقبيح في هذه الأفعال بحسب الشرع فالحسن ما أمر الله به والقبح ما نهى الله عنه [4] . ولا يرى الأشاعرة الأفعال ذاتية الحسن والقبح، وإنما هما أمران
(1) الكشاف: ج 2، ص 285218: الإيفاء حسن في العقول.
(2) انظر الشهرستاني، الملل والنحل، ج 1، ص 5866798591. وزهدي جار الله، المعتزلة، ص 115.
(3) انظر م ن، ج 1، ص، 115وكذا: ابن المنير، الإنصاف، هامش الكشاف، ج 2، ص، 217.
(4) انظر فخر الدين الرازي، محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين من العلماء والحكماء والمتكلمين، ط 1، المطبعة الحسينية المصرية، ص، 147وكذا د. علي عبد الفتاح المغربي، الفرق الكلامية الإسلامية، مدخل ودراسة، ص 315314.