فهرس الكتاب

الصفحة 401 من 451

مجالسة المستهزئين فإنّ قبحها بيّن بالعقل، لذا فهو يستقل بتحريمها. أما ما ورد في الشرع من ذلك فكاشف لحكمها ومبنية عليه وغير منشئ فيها حكما [1] لذا قال في الآية: {وَإِمََّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطََانُ فَلََا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى ََ مَعَ الْقَوْمِ الظََّالِمِينَ} [الأنعام:

68]: و «يجوز أن يراد وإن كان الشيطان ينسيك قبل النهي قبح مجالسة المستهزئين لأنها مما تنكره العقول فلا تقعد بعد الذكرى بعد أن ذكرناك قبحها ونبهناك عليه معهم» [2] . وقد عقّب بعضهم على هذا التفسير بأنه يعارض معنى الآية مبينا بأن النسيان هنا ليس نسيان الحكم الذي دل عليه العقل قبل، ورود هذا النهي لأنه لو كان كذلك لما عبر بالمستقبل في قوله عز وجل: {وَإِمََّا يُنْسِيَنَّكَ} الآية. فلما ورد بصيغة المستقبل فلا وجه في حمله على الماضي [3] .

ومن هذا قوله في الآية: {لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مََا شَهِدْنََا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنََّا لَصََادِقُونَ} [النمل: 49] : «وفي هذا دليل قاطع على أن الكذب قبيح عند الكفرة الذين لا يعرفون الشرع ونواهيه ولا يخطر ببالهم. ألا ترى أنهم قصدوا إلى قتل نبيّ الله ولم يرضوا لأنفسهم بأن يكونوا كاذبين حتى سوّوا للصدق في خبرهم حيلة يتقصون بها عن الكذب؟» [4] . ولم يخرج عن هذا السياق في تفسير قوله عز وجل: {وَنَفْسٍ وَمََا سَوََّاهََا (7) فَأَلْهَمَهََا فُجُورَهََا وَتَقْوََاهََا} [الشمس: 7، 8] مبينا «معنى إلهام الفجور والتقوى: إفهامهما وإغفالهما» مدرجا رأي المعتزلة قائلا:

«وأن أحدهما حسن والآخر قبيح وتمكينه من اختيار ما يشاء منهما بدليل [5] قوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكََّاهََا (9) وَقَدْ خََابَ مَنْ دَسََّاهََا} [الشمس: 9، 10] .

ويرى المعتزلة «أن الله سبحانه لم يرد المعاصي إلا المردار [6] فإنه حكي عنه أنه

(1) انظر ابن المنير، الإنصاف، هامش الكشاف، ج 2، ص 2627.

(2) الكشاف، ج 2، ص 27، 26وكذا أبو حيان الأندلسي، البحر المحيط، ج 4، ص 546.

(3) انظر ابن المنير، الإنصاف، هامش الكشاف، ج 2، ص 27.

(4) الكشاف: ج 3، ص 152153.

(5) م ن، ج 4، ص 258259.

(6) هو أبو موسى عيسى بن صبيح لقبه المردار (ت 226هـ) وهو من علماء المعتزلة وكان يقال له: راهب المعتزلة. انظر البغدادي، الفرق بين الفرق، ص، 429وكذا الأسفراييني (ت 471هـ) التبصير في الدين وتمييز الفرقة الناجية عن الفرق الهالكين، ج 1، ص، 77والشهرستاني، الملل والنحل، تحقيق محمد سيد كيلاني، ج 1، ص، 31والإيجي، المواقف في علم الكلام، تحقيق د. عبد الرحمن عميرة، ط 1ج 3، ص 664.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت