{هُدََاهُمْ وَلََكِنَّ اللََّهَ يَهْدِي مَنْ يَشََاءُ} [البقرة: 272] على هذا الأساس بأنه: «لا يجب عليك أن تجعلهم مهديين إلى الانتهاء عما نهوا عنه من المنّ والأذى والإنفاق من الخبيث وغير ذلك، وما عليك إلا أن تبلغهم النواهي فحسب» [1] ، وظاهر الهدى في الآيتين أنه مراد به هدى الإيمان أي ليس عليك أن تخلق الهدى في قلوبهم، ولكن الله تعالى هو الذي يخلق هدى الإيمان لمن يشاء من عباده أن يهديه. وهذا عند أهل السنة هو اللطف لا كما ذهب إليه الزمخشري مفسرا هدى الله تعالى باللطف [2] لأنه يعتقد أن الهدى لا يخلقه الله تعالى، وإنما العبد هو الذي يخلقه لنفسه. وإن أضاف الله الهدى إليه كما هو في الآية السابقة أوّله باللطف الإلهي الذي هو توفيق وتسديد إذا فعله الله وفّق العبد للإيمان فيكون ذلك توفيقا لأن يؤمن، فالله لا يفعل عبثا بل لحكمة وغرض، ويستوجب هذا عند المعتزلة كمال الفعل والإقدار عليه، لذا كان غرض تكليفه للعباد منفعتهم وعلى هذا أوجبوا ألا تخلو أفعال الله سبحانه من ألطاف تقوّي الدواعي وتزيد الصوارف التي بها تمكين المرء من أن يختار الواجب، ويتجنب القبيح أو ما يكون أقرب إلى اختيار الخير أو ترك الشر [3] .
ويرجع الزمخشري مرة أخرى إلى أحد أصول الاعتزال وهو عدم تصديقهم بما يلحق من أذى الشياطين. قال في قوله عز وجل: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبََا لََا يَقُومُونَ إِلََّا كَمََا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطََانُ مِنَ الْمَسِّ} [البقرة: 275] قائلا: «وتخبط الشيطان من زعمات العرب يزعمون أن الشيطان يخبط الإنسان فيصرع والمس الجنون
(1) الكشاف: ج 1، ص 397.
(2) انظر الكشاف، ج 1، ص 397.
(3) انظر الأشعري، مقالات الإسلاميين، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، ج 1، ص 313، 326، والقاضي عبد الجبار، شرح الأصول الخمسة، ج 2، ص 187، 188والرازي فخر الدين، مفاتيح الغيب، ج 7، ص، 77وابن المنير، الإنصاف، هامش الكشاف، ج 1، ص، 397وأبو حيان الأندلسي، البحر المحيط في التفسير، ج 2، ص 694، 693والإيجي، المواقف في علم الكلام، تحقيق د. عبد الرحمن عميرة، ط 1، ج 3، ص 283، 670واليافعي عبد الله بن أسعد بن علي (ت 768هـ) ، كتاب مرهم العلل المعضلة في الرد على أئمة المعتزلة، ج 1، ص، 165وكذا جولدزيهر، مذاهب التفسير الإسلامي، ص 173172. ود. سميح دغيم فلسفة القدر في فكر المعتزلة، ص، 133وزهدي جار الله، المعتزلة، ص 114110.