أما أهل السنة فقد عبّر الإيجي عن موقفهم في هذه المسألة بقوله: «فاعلم أن ما يقوله المعتزلة وهو خلق الأصوات والحروف وكونها حادثة قائمة فنحن نقول به، ولا نزاع بينا وبينهم في ذلك، وما نقوله في كلام النفس فهم ينكرون ثبوته ولو سلموه لم ينفوا قدمه فصار محل النزاع نفي المعني وإثباته» [1] . ولم يخرج النزاع في الأصل عن مسألتين بينتين: الأولى كلام الله صفة له، ولما كان كل ما هو صفة لله تعالى هو قديم عند أهل السنة ترتب عليه أن كلام الله قديم. الثانية: القرآن كلام الله وهو مؤلف من حروف مرتبة متتالية في الوجود وكل ما كان كذلك فهو حادث لذا قال المعتزلة إن القرآن حادث مخلوق. فما كان النزاع ليحتدم بين الناس يومئذ لو حددت مواضعه بالكيفية السابقة كما قال أحمد أمين [2] .
وقد أنكر المعتزلة الشفاعة لأنهم يوجبون مجازاة الله تعالى للمطيع على طاعته وللعاصي على معصيته إيجابا عقليا، قال الزمخشري في قوله تعالى: {يََا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمََّا رَزَقْنََاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لََا بَيْعٌ فِيهِ وَلََا خُلَّةٌ وَلََا شَفََاعَةٌ وَالْكََافِرُونَ هُمُ الظََّالِمُونَ} [البقرة: 254] : إن أردتم أن يسقط ما عليكم من الواجب لم تجدوا شفيعا يشفع لكم في إزالتها عن ذمتكم لأن الشفاعة زيادة الفضل لا غير في دار القرار [3] . غير أن أهل السنة ذكروا أدلة كثيرة تثبت الشفاعة للعصاة من المؤمنين، منها ما ذكره الطبري (ت 310هـ) بأن قوله تعالى: {وَلََا خُلَّةٌ وَلََا شَفََاعَةٌ}
الآية: «مخرجها في الشفاعة عام والمراد خاص» . وإنما معناه {مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لََا بَيْعٌ فِيهِ وَلََا خُلَّةٌ وَلََا شَفََاعَةٌ} لأهل الكفر بالله لأن أهل ولاية الله والإيمان به يشفع بعضه لبعض وقوله: {وَالْكََافِرُونَ هُمُ الظََّالِمُونَ} دلالة واضحة على صحة ما قلنا. وأن قوله: {وَلََا خُلَّةٌ وَلََا شَفََاعَةٌ} إنما مراد به أهل الكفر [4] . وقد ذهب الواحدي (ت 468هـ) إلى أن نفي الشفاعة عام لأنه عنى الكافرين بأن هذه
نقرؤه ونسمعه من القرآن الكريم والكتب الدينية وهو مخلوق. انظر أحمد أمين، ضحى الإسلام، ج 3، ص 42.
(1) المواقف في علم الكلام، مكتبة المتنبي، القاهرة، ص 294.
(2) انظر ضحى الإسلام، ج 3، ص 4443.
(3) انظر الكشاف، ج 1، ص 384.
(4) تفسير الطبري، ج 3، ص 43.