البرهان صحيحا، فكلما اعتقدوا حلّ المسائل الصعبة التي اعترضتهم تأوّلوا الآيات بما يطابق هذا الاعتقاد.
لكن النزاع في مسألة «خلق القرآن» في صورة تطابقها مع الألفاظ التي وظفها الزمخشري مثلما ذكرنا قبل قليل اتضحت بعد مجيء الأشعري (ت 330هـ) حين انتقل النزاع إلى فكرة أخرى [1] هي أن كلام الله يطلق على معنيين مثلما هو الشأن في الإنسان: يسمى متكلما باعتبارين: بالصوت وبالنفس فالذي يمثل المعنى القائم في النفس لا أثر فيه للصوتية وللحرفية غير أنه معنى نفسي يعبّر عنه بالألفاظ.
فإن تنوول ذلك على مستوى الله سبحانه رأينا كلامه معنى نفسيا وهو القائم بذاته وهو الكلام الأزلي القديم الذي لا يتغيّر ولا يتبدّل، وإن تبدلت الألفاظ وتغيرت المعاني وهو الذي يقصد ويراد إذا وصف كلام الله بالقدم ويطلق عليه في الحقيقة كلام الله. أما القرآن بمعناه المقروء المتلو المكتوب فإنه المقصود عند المعتزلة بالكلام الحادث المخلوق لذا فإن تلفّظ الزمخشري بذلك يشير إلى هذه الخلفية. ويمكن الخلاف بينهم وبين الأشعرية في أن المعتزلة لا يثبتون كلاما لله تعالى سوى هذا، بينما أثبتت الأشعرية الكلام النفسي القائم بذات الله، ولا يسمون ما ذهب إليه المعتزلة كلام الله إلا على سبيل المجاز [2] .
ومعنى اللطف عند المعتزلة وجه التيسير إلى فعل الخير والطاعة وترك الشر والمعصية. واختلفوا في الهدى الذي يفعله الله عز وجل في المؤمنين ما هو؟
فاختلف القائلون: «إن الله هدى الكافرين بأن بيّن لهم ودلّهم» ، و «أن هذا هو الهدى العام» في الهدى الذي يفعله بالمؤمنين دون الكافرين على مقالتين:
فقال بعضهم: «إن الله هدى المؤمنين بأن سماهم مهتدين وحكم لهم بذلك، وأن ما يزيد الله المؤمنين بإيمانهم من الفوائد والألطاف هو هدى لقوله عز وجل:
{وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زََادَهُمْ هُدىً} [محمد: 17] ، وقال آخرون: إن الله هدى بأن
(1) انظر أحمد أمين، ضحى الإسلام، ج 3ص 320.
(2) انظر أحمد أمين بن إبراهيم بن عيسى، توضيح المقاصد وتصحيح القواعد في شرح قصيدة الإمام ابن القيم، تحقيق زهير الشاويش، المكتب الإسلامي بيروت، 1406هـ ط 3، ج 1، ص 267.