يتوصل إلى معرفة الله وتوحيده إلا به، ولما في المتشابه من الابتلاء والتمييز بين الثابت على الحق والمتزلزل فيه، ولما في تقادح العلماء واتعابهم القرائح في استخراج معانيه وردّه إلى المحكم من الفوائد الجليلة والعلوم الجمة ونيل الدرجات عند الله. ولأن المؤمن المعتقد أن لا مناقضة في كلام الله، ولا اختلاف فيه إذ رأى فيه ما يتناقض في ظاهره وأهمّه طلب ما يوفّق بينه ويجريه على سنن واحد ففكر وراجع نفسه وغيره ففتح الله عليه، وتبيّن مطابقة المتشابه المحكم ازداد طمأنينة إلى معتقده وقوة في إيقافه» [1] ، وبهذا تكون الإشكالات في المتشابهات أرادها الله تعالى في سابق علمه وسيلة إلى تقوية الإيمان والمعرفة وطلب الحق. بيد أن تفسيرها يعد من المهام الأساسية عند المعتزلة [2] .
وإذا كان أهل السنة قد ردّوا على الزمخشري بأن «الإدراك المنفي عبارة عن الإحاطة، ومنه قوله تعالى: {حَتََّى إِذََا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ} [يونس: 90] أي أحاط به.
وقوله سبحانه حكاية عن قوم موسى: {إِنََّا لَمُدْرَكُونَ} [الشعراء: 61] أي محاط بنا فالمنفي عن الأبصار إذن إحاطتها به عز وجل لا مجرد الرؤية. ومن المعلوم أنه تعالى لا تحيط به الأفهام، وهذا لا يمنع أن تعرفه فالإحاطة للعقل منفية كنفي الإحاطة للبصر، وما دون الإحاطة من المعرفة للعقل والرؤية للبصر ثابت غير منفي» [3] ، فإننا حين نرجع إلى بعض أعلام المعتزلة ممن سبق عهد الزمخشري نجدهم يردون على أهل السنة فقد قال القاضي عبد الجبار: «فإن قيل: وما أنكرتم في أنّ المراد بقوله تعالى: {لََا تُدْرِكُهُ الْأَبْصََارُ} أي لا تحيط به الأبصار؟ ونحن هكذا نقول. قلنا: الإحاطة ليس هو الإدراك لا في حقيقة اللغة ولا في مجازها، ألا ترى أنهم يقولون: السور أحاط بالمدينة، ولا يقولون: أدركها أو أدرك بها.
وكذلك يقولون: عين الميت أحاطت بالكافور ولا يقولون أدركته. وبعد فإن هذا تأويل بخلاف تأويل المفسرين فلا يقبل. على أنه كما لا تحيط به الأبصار فكذلك لا يحيط هو بالأبصار لأن المانع عن ذلك في الموضعين واحد فلا يجوز حمل
(1) الكشاف، ج 1، ص 413412.
(2) انظر جولد زيهر، مذاهب التفسير الإسلامي، ص 152151. وكذا 124.
(3) محمد بن عبد العظيم الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، تحقيق مكتب البحوث والدراسات، دار الفكر بيروت، ط 1، 1996، ج 2، ص 5352.