المحبوب لصورة تزينت للنفس وذلك من صنعه. وتزيين الشيطان بإذكاء ما وقع من إغفاله مما مثله يدعو لي نفسه لزينته فالله تعالى يزين بالوضع والشيطان يزين بالأذكار» [1] .
وذكر القرطبي (ت 671هـ) أن مجاهدا ومحمد بن قيس قرأ على بناء الفاعل لكن النحاس قال: هي قراءة شاذة لأنه لم يتقدم للفاعل ذكر. ثم أضاف أن (المزين) هو خالقها ومخترعها وخالق الكفر، وأن الشيطان يزينها أيضا بوسوسته وإغوائه، وخص الذين كفروا بالذكر لقبولهم التزيين جملة، ولإقبالهم على الدنيا، وإعراضهم عن الآخرة بسببها. وقد جعل الله ما على الأرض زينة ليبلو الخلق أيهم أحسن عملا [2] . ونصّ أحمد بن المنير (ت 683هـ) في هذا السياق على أنّ التزيين ورد مضافا إلى الله تعالى، وجاء مضافا إلى غيره في مواضع أخرى من آي الذكر الحكيم بيد أنه في الآية يحتمل الوجهين لكن الإضافة إلى قدرة الله تعالى حقيقة، وأما إضافته إلى غيره فمجاز. وهو ما يقول به أهل السنة، وبيّن أن الزمخشري يعمل على عكس هذا أي إن أضاف الله فعلا من أفعاله إلى قدرته جعله مجازا. وإن أضافه إلى بعض مخلوقاته جعله حقيقة [3] . ولا يخفى أن هذا التعارض بين الفرقتين في مثل هذه المسائل ملحوظة في غير موضع، ولا ريب في أنه يعكس الخلاف بينهما كمثل خلافهم في قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نََاضِرَةٌ (22) إِلى ََ رَبِّهََا نََاظِرَةٌ} [القيامة: 22، 23] وقوله عز وجل: {لََا تُدْرِكُهُ الْأَبْصََارُ}
[الأنعام: 103] فبينما تمسّك المعتزلة بالمعنى اللفظي للنفي العام في هذه الآية الأخيرة تجد أهل السنة يتأولونه. ولا لعجب إذا وجدت النقيض من هذا في الآية
(1) زاد المسير في علم التفسير، المكتب الإسلامي، بيروت، ط 3، 1404، ج 1، ص، 228مركز التراث لأبحاث الحاسب الآلي 1999، الأردن.
(2) انظر الجامع لأحكام القرآن، ج 3، ص 28.
(3) انظر الإنصاف فيما تضمنه الكشاف من الاعتزال، هامش الكشاف، ج 1، ص، 354وانظر النسفي (ت 710هـ) ، مدارك التنزيل وحقائق التأويل، ج 1، ص، 101وكذا تفسير البيضاوي (791هـ) ، تحقيق عبد القادر عرفات العشا حسونة، دار الفكر بيروت 1996، ج 1، ص 495، وكذا أبو السعود (ت 951هـ) ، إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم (د. ت) ، ج 1، ص 213.