فهرس الكتاب

الصفحة 335 من 451

الصرف لأن نسبة المد إلى الله عز وجل بأي معنى كان عندهم حقيقة إذ هو سبحانه الموجد للأشياء، المنفرد باختراعها بحسب مقتضيات حكمته. ورأوا الآية الكريمة حجة على المعتزلة في رعاية الأصلح [1] .

ولم يأل الزمخشري جهدا في الانتصار لأصول المعتزلة التي منها: «أن أفعال العباد غير مخلوقة فيهم وأنهم المحدثون لها» مستدلين بأنه «ثبت من أن العاقل في الشاهد لا يشوّه نفسه وهو لا يفعل ذلك ولا يختاره لعلمه بقبحه ولغناه عنه فإذا كان على الواحد منا ذلك فلأن يجب في حق القديم أولى وأحرى وما يدل كذلك أن الله تعالى لا يجوز أن يكون خالقا لأفعال العباد هو أن في أفعال العباد ما هو ظلم وجور، فلو كان الله تعالى خالقا لها لوجب أن يكون ظالما جائرا تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا» [2] لذا قال في قوله عز وجل: {يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا} [البقرة: 26] أنّ نسبة الإضلال إلى الله تعالى من إسناد الفعل إلى السبب [3] . وقد شنع أهل السنة هذا ورأوا الآية سندا لمذهبهم في أن الضلالة والهداية بخلقه عز وجل وبيده يفعل ما يشاء ويحكم بما يريد [4] .

وكان لبعض الألفاظ القرآنية كالضلال والهدى والعبادة والإرادة والإذن والكفر والشرك والزكاة خلاف دلالي بين المعتزلة وخصومهم، ولعل ما ذهب إليه ابن قتيبة (ت 276هـ) يعكس هذا حين ذكر الخلاف بين صيغتي أفعل وفعّل (بتضعيف العين) قال: «وذهب أهل القدر في قوله تعالى: {يُضِلُّ مَنْ يَشََاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشََاءُ} [النحل: 93] إلى أنه على جهة التسمية والحكم عليهم بالضلالة، ولهم بالهداية» [5] ثم أضاف: «وقال فريق منهم: يضلّهم: ينسبهم إلى الضلالة.

(1) انظر ابن المنير، الإنصاف فيما تضمنه الكشاف من الاعتزال، هامش الكشاف، ج 1، ص، 188وتفسير النسفي (ت 710هـ) ، ج 1، ص، 20وتفسير ابن كثير (ت 774هـ) ، ج 1، ص، 53والألوسي (ت 1270هـ) ، روح المعاني، ج 1، ص 160.

(2) القاضى عبد الجبار، شرح الأصول الخمسة، ج 2، ص 3832، 39وانظر استدلالهم على إيجاد العبد لأفعاله: فخر الدين الرازي، القضاء والقدر، ص 226وما بعدها.

(3) انظر الكشاف، ج 1، ص 267.

(4) انظر الألوسي، روح المعاني، ج 13، ص 187.

(5) تأويل مشكل القرآن، ص 123.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت