التأويلين انتصار لمعتقده الاعتزالي. لكن أهل السنة يتمسكون بالآية ذاتها على أنه تعالى قد يشاء الكفر واستدلوا على هذا من وجهين [1] :
الأول: قوله تعالى: {إِنْ عُدْنََا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجََّانَا اللََّهُ مِنْهََا} [الأعراف: 89] بخلق العبد لكانت النجاة من الكفر تحصل للإنسان من نفسه لا من الله عز وجل خلافا لما يقتضيه قوله: {بَعْدَ إِذْ نَجََّانَا اللََّهُ} .
الثاني: أن معنى الآية ليس لنا أن نعود إلى ملّتكم إلا أن يشاء الله أن يعيدنا إلى تلك الملة، ولما كانت كفرا كان هذا تجويزا من شعيب بأنه سبحانه قد شاء ردّ المسلم إلى الكفر وهو غير مذهبنا.
فالآية عند السنيين دليل على أن الكفر بمشيئة الله، ورأوا مع هذا بأن الله تعالى أراد به حسم طمعهم في العود بالتعليق على ما يكون، وفي الآية ردّ إلى الله المسبب. ومعنى الآية حسب الزركشي: «لا يكون أبدا من حيث علّقه بمشيئة الله لما كان معلوما أنه يشاؤه إذ يستحيل ذلك على الأنبياء، وكل أمر علّق بما لا يكون فقد نفى كونه على أبعد الوجوه» [2] . ورأى قطرب أن في الكلام تقديما وتأخيرا والاستثناء من الكفار لا من شعيب فيصبح المعنى: «لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا إلا أن يشاء الله أن تعودوا في ملتهم. ثم قال تعالى حاكيا عن شعيب: {وَمََا يَكُونُ لَنََا أَنْ نَعُودَ فِيهََا} (الآية) على كل حال. وقيل:
الهاء عائدة إلى القرية لا إلى الله» [3] .
واستعان الزمخشري بنص القرآن الكريم لينتصر إلى معتقده في أمر السحر ويمكن أن نجد في كلامه ما يرمز إلى إنكاره، وهو ما يظهر عند تفسيره الآية الكريمة: {سَحَرُوا أَعْيُنَ النََّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجََاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ} [الأعراف: 116] قال: {سَحَرُوا أَعْيُنَ النََّاسِ} : أروها بالحيل والشعوذة وخيلوا إليها ما الحقيقة
(1) الفخر الرازي، التفسير الكبير، ج 14، ص 178. وكذا ابن المنير، الإنصاف، هامش الكشاف، ج 2، ص 96، انظر تفسير ابن كثير (ت 774هـ) ، ج 2، ص 232، وتفسير البيضاوي (ت 791هـ) ، ج 3، ص 41.
(2) البرهان في علوم القرآن، ج 3، ص 410.
(3) م ن، ج 3، ص 410.