ويفسر الزمخشري قوله عز وجل: {وَمَنْ كَفَرَ} من الآية: {وَلِلََّهِ عَلَى النََّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطََاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللََّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعََالَمِينَ} [آل عمران: 97] وبأنه من ترك الحج وعبر عنه بالكفر تغليظا عليه. قال: « (ومن كفر) مكان ومن لم يحج تغليظا على تارك الحج» [1] ، ويستدل على ما ذهب إليه بنص الحديث الشريف بقوله: «ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من مات ولم يحج فليمت إن شاء يهوديا أو نصرانيا» ونحوه من التغليظ: «من ترك الصلاة متعمدا فقد كفر» ، ومنها ذكر الاستغناء عنه، وذلك مما يدل على المقت والسخط والخذلان [2] . فأنت ترى بأنه جعل تارك الحج لمجرّد الترك كافرا فأخرجه بذلك من ربقة الإيمان ومن اسمه ومن حكمه لأنه عدّه غير مؤمن ومخلّدا في النار. ولكن ابن المنير يرد عليه بأن تارك الحج لمجرد الترك قولا واحدا لا يكفر. غير أنه تعين حمل الآية على من ترك الحج وهو جاحد لوجوبه، وحينئذ يكون الكفر راجعا إلى الاعتقاد لا إلى مجرد الترك [3] .
وقال الزمخشري في قوله سبحانه: {فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشََاءُ} [آل عمران: 129] «بالتوبة ولا يشاء أن يغفر إلا للتائبين» [4] ، وردّ أهل السنة بأن هذه الآية واردة في الكفار، ولمّا كانوا يعتقدون أن المغفرة في حقهم مشروطة بالتوبة من الكفر والرجوع إلى الإيمان، فلا خلاف بينه وبين صاحب الكشاف، ولا بين المعتزلة وأهل السنة هاهنا [5] .
وهو يستعين بالقراءات في إقرار بعض أصول مذهبه لذا قال في تفسير قوله سبحانه: {وَلَهُمْ عَذََابٌ مُهِينٌ} [آل عمران: 178] «وقرأ يحيي بن وثاب بكسر الأولى وفتح الثانية (يقصد إنّما) في قوله تعالى: {إِنَّمََا ذََلِكُمُ الشَّيْطََانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيََاءَهُ} [آل عمران: 175] . وفي قوله: {وَلََا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمََا نُمْلِي}
(1) الكشاف، ج 1، ص 449.
(2) م ن، ج 1، ص 449.
(3) انظر الإنصاف، هامش الكشاف، ج 1، ص 448.
(4) الكشاف، ج 1، ص 463.
(5) انظر الإنصاف، هامش الكشاف، ج 1، ص 463.